والفرق بينهما معلوم بالضرورة من عادة العرب فعلمنا ان الاستثناء من الجمع المعرف يقتضي اخراج ما لولاه لوجب دخوله تحت اللفظ وهو المطلوب
الفرع الثالث في ان صيغة كل وجميع يفيدان الاستغراق ويدل على ذلك انك اذا قلت جاءني كل عالم في البلد او جميع علماء البلد فانه يناقضه قولك ما جاءني كل عالم في البلد وما جاءني جميع علماء البلد ولذلك يستعمل كل واحد من هذين الكلامين في تكذيب الاخر والتناقض لا يتحقق الا اذا افاد الكل الاستغراق لأن النفي عن الكل لا يناقض الثبوت في البعض وايضا صيغة الكل والجميع مقابلة لصيغة البعض ولولا ان صيغتهما غير محتملة للبعض لم تكن مقابلة وايضا اذا قال القائل ضربت كل من في الدار او ضربت جميع من في الدار سبق الى الفهم الاستغراق ولو كانت صيغة الكل او الجميع مشتركة بين الكل والبعض لما كان كذلك لأن اللفظ المشترك لما كان بالنسبة الى المفهومين على السوية امتنع ان تكون مبادرة الفهم الى احدهما اقوى منها الى الاخر واذا قال السيد لعبده اضرب كل من دخل داري او جميع من دخل داري فضرب كل واحد ممن دخل لم يكن للسيد ان يعترض عليه بضرب جميعهم وله ان يعترض عليه اذا ترك البعض منهم ومثله لو قال رجل لرجل اعتق كل عبيدي او جميع عبيدي ثم مات لم يحصل الامتثال الا بعتق كل عبد له ولا يحصل امتثاله بعتق البعض وايضا لا يشك عارف بلغة العرب ان بين قول القائل جاءني رجال وجاءني كل الرجال وجميع الرجال فرقا ظاهرا وهو دلالة الثاني على الاستغراق دون الأول والا لم يكن بينهما فرق ومعلوم ان اهل اللغة اذا ارادوا التعبير عن الاستغراق جاءوا بلفظ كل وجميع وما يفيد مفادهما ولو لم يكونا للاستغراق لكان استعمالهم لهما عند ارادتهم للاستغراق عبثا قال القاضي عبد الوهاب ليس بعد كل في كلام العرب كلمة اعم منها ولا فرق بين ان المؤكدبه عام وهي تشمل العقلاء وغيرهم والمذكر والمؤنث والمفرد المثنى والمجموع فلذلك كانت اقوى صيغ العموم وتكون في الجميع بلفظ واحد تقول كل النساء وكل القوم وكل رجل وكل امرأة قال سيبويه معنى قولهم كل رجل كل رجال فأقاموا رجلا مقام رجال لأن رجلا شائع في الجنس والرجال للجنس ولا يؤكد بها المثنى استغناء عنمه بكل ولا يؤكد بها الا ذو اجزاء ولا يقال جاء زيد كله انتهى وقد ذكر علماء النحو والبيان الفرق بين ان يتقدم النفي على كل وبين ان تتقدم هي عليه فاذا تقدمت على حرف النفي نحو كل القوم لم يقم أفادت التنصيص على انتفاء قيام كل فرد فرد وان تقدم النفي عليها مثل لم يقم كل القوم لم تدل الا على نفي المجموع وذلك يصدق بانتفاء القيام عن بعضهم ويسمى الاول عموم السلب والثاني سلب العموم من جهة ان الاول يحكم فيه بالسلب عن