حصول اللغات لو كان بالتوقيف من الله عز وجل لكان ذلك بارسال رسول لتعليم الناس لغتهم لانه الطريق المعتاد في التعليم للعباد ولم يثبت ذلك ويمكن ان يقال ان آدم عليه السلام علمها وعلمها غيره وايضا يمكن ان يقال ان التعليم لا ينحصر في الارسال لجواز حصوله بالإلهام وفيه ان مجرد الالهام لا يوجب كون اللغة توقيفية بل هي من وضع الناس بالهام الله سبحانه لهم كسائر الصنائع
احتج اهل القول الثاني بالمنقول والمعقول اما المنقول فقوله سبحانه { وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه } أي بلغتهم فهذا يقتضي تقدم اللغة على بعثة الرسل فلو كانت اللغة توقيفية لم يتصور ذلك الا بالارسال فيلزم الدور لأن الآية تدل على سبق اللغات للإرسال والتوقيف يدل على سبق الارسال لها واجيب بأن كون التوقيف لا يكون الا بالإرسال انما يوجب سبق الارسال على التوقيف لا سبق الارسال على اللغات حتى يلزم الدور لأن الارسال لتعليمها انما يكون بعد وجودها معلومة للرسول عادة لترتب فائدة الارسال عليه واجيب ايضا بأن آدم عليه السلام علمها كما دلت عليه الاية واذا كان هو الذي علمها لأقدم رسول اندفع الدور وأما المعقول فهو انها لو كانت توقيفية لكان اما ان يقال انه تعالى يخلق العلم الضروري بأن وضعها لتلك المعاني أو لا يكون كذلك والأول لا يخلو إما أن يقال خلق ذلك العلم في عاقل او في غير عاقل وباطل ان يخلقه في غاقل لأن العلم بأنه سبحانه وضع تلك اللفظة لذلك المعنى يتضمن العلم به سبحانه فلو كان ذلك العلم ضروريا لكان العلم به سبحانه ضروريا ولو كان العلم بذاته سبحانه ضروريا لبطل التكليف لكن ذلك باطل لما ثبت ان كل عاقل يجب ان يكون مكلفا وباطل ان يخلقه في غير العاقل لأن من البعيد ان يصير الانسان الغير العاقل عالما بهذه اللغات العجيبة والتركيبات اللطيفة
احتج اهل القول الثالث بأن الاصطلاح لا يصح إلا بأن يعرف كل واحد منهم صاحبه ما في ضميره فان عرفه بأمر اخر اصطلاحي لزم التسلسل فثبت انه لا بد في أول موالقول ن التوقيف ثم بعد ذلك لا يمتنع ان تحدث لغات كثيرة بسبب الاصطلاح بل ذلك معلوم بالضرورة فان الناس يحدثون في كل زمان الفاظا ما كانوا يعلمونها قبل ذلك واجيب بمنع توقفه على الاصطلاح بل يعرف ذلك بالترديد والقرائن كالأطفال
وأما أهل القول الرابع فلعلهم يحتجون على ذلك بأن فهم ما جاء توقيفا لا يكون الا بعد تقدم الاصطلاح والمواضعة ويجاب عنه بأن التعليم بواسطة رسول او بإلهام يغني عن