والجواب الجواب ويجاب عن الثاني بمنع وجود معنى المجاوزة في الاتعاظ فان من نظر في شيء من المخلوقات فاتعظ به لا يقال فيه متصف بالمجاوزة لا لغة ولا شرعا ولا عقلا وايضا يمنع وجود المجاوزة في القياس الشرعي وليس في اللغة ما يفيد ذلك البتة ولو كان القياس مأمورا به في هذه الاية لكونه فيه معنى الاعتبار لكان كل اعتبار او عبور مأمورا به واللازم باطل والملزوم مثله وبيانه انه لم يقل احد من المتشرعين ولا من العقلاء انه يجب على الانسان ان يعبر من هذا المكان الى هذا المكان او يجري دمع عينه او يعبر رؤيا الرائي مع ان هذه الامور ادخل في معنى العبور والاعتبار من القياس الشرعي والحاصل ان هذه الاية لا تدل على القياس الشرعي لا بمطابقة ولا تضمن ولا التزام ومن اطال الكلام في الاستدلال بها على ذلك فقد شغل الحيز بما لا طائل تحته
واستدل الشافعي في الرسالة على اثبات القياس بقوله تعالى { فجزاء مثل ما قتل من النعم } قال فهذا تمثيل الشيء بعدله وقال { يحكم به ذوا عدل منكم } واوجب المثل ولم يقل أي مثل فوكل ذلك الى اجتهادنا ورأينا وأمر بالتوجه الى القبلة بالاستدلال وقال { وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره } انتهى ولا يخفاك ان غاية ما في اية الجزاء هو المجيء بمثل ذلك الصيد وكونه مثلا له موكول الى العدلين ومفوض الى اجتهادهما وليس في هذا دليل على القياس الذي هو الحاق فرع بأصل لعلة جامعة وكذلك الامر بالتوجه الى القبلة فليس فيه الا ايجاب تحري الصواب في امرها وليس ذلك من القياس في شيء
واستدل ابن سريج على اثبات القياس بقوله تعالى { ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم } قالوا اولو الأمر هم العلماء والاستنباط هو القياس ويجاب عنه بأن الاستنباط هو استخراج الدليل على المدلول بالنظر فيما يفيده من العموم او الخصوص او الاطلاق او التقييد او الاجمال أو التبيين في نفيس النصوص او نحو ذلك مما يكون طريقا الى استخراج الدليل منه ولو سلمنا اندراج القياس تحت مسمى الاستنباط لكان ذلك مخصوصا بالقياس المنصوص على علته وقياس الفحوى ونحوه