هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له وقد اتفقوا على ان الحقيقة لا تستلزم المجاز لأن اللفظ قد يستعمل في ما وضع له ولا يستعمل في غيره وهذا معلوم لكل عالم بلغة العرب
واختلفوا هل يستلزم المجاز الحقيقة ام لا بل يجوز ان يستعمل اللفظ في غير ما وضع له ولا يستعمل في ما وضع له اصلا فقال جماعة ان المجاز يستلزم الحقيقة واستدلوا على ذلك بأنه لو لم يستلزم لخلا الوضع عن الفائدة وكان عبثا وهو محال اما الملازمة فلأن ما لم يستعمل لا يفيد فائدة وفائدة الوضع انما هي اعادة المعاني المركبة واذا لم يستعمل لم يقع في التركيب فانتفت فائدته واما بطلان اللازم فظاهر واجيب بمنع انحصار فائدة في افادة المعاني المركبة فان صحة التجوز فائدة
واستدل القائلون بعدم الاستلزام وهم الجمهور بانه لو استلزم المجاز الحقيقة لكانت لنحو ( شابت لمة الليل ) أي ابيض الغسق ( وقامت الحرب على ساق ) أي اشتدت حقيقة واللازم منتف واجيب عن هذا بجوابين جدلي وتحقيقي اما الجدلي فبأن الالزام مشترك لأن نفس الوضع لازم للمجاز فيجب ان تكون هذه المركبات موضوعة لمعنى متحقق وليس كذلك وأما التحقيق فباختيار أنه لا مجاز في المركب بل في المفردات ولها وضع واستعمال ولا مجاز في التركيب حتى يلزم ان يكون له معنى ومن اتبع عبد القاهر في ان المجاز مفرد ومركب ويسمى عقليا وحقيقة عقلية لكونهما في الاسناد سواء كان طرفاه حقيقتين نحو ( سرتني رؤيتك ) او مجازين نحو ( احياني اكتحالي بطلعتك ) او مختلفين فان اتبعه في عدم الاسلتزام ايضا فذاك والا فله ان يجيب بأن مجازات الاطراف لا مدخل لها فيه ولها حقائق ومجاز الاسناد ليس لفظا حتى يطلب لعينه حقيقة ووضع بل له معنى حقيقة بغير هذا اللفظ واجتماع المجازات لا يستلزم اجتماع حقائقها ومن قال بإثبات المجاز المركب في الاستعارة التمثيلية نحو ( طارت به العنقاء ) و ( أراك تقدم رجلا وتؤخر اخرى ) فلا بد ان يقول بعدم الاستلزام ومن نفى المجاز المركب اجاب عن المجاز العقلي بأنه من الاستعارة التبعية وذلك لأن عرف العرب ان يعتبروا القابل فاعلا نحو مات فلان وطلعت الشمس ولم يلتزموا الاسناد الى الفاعل الحقيقي كما في انبت الله وخلق الله فكذا سرتني رؤيتك لأنها قابلة لأحداث الفرح ونحوها من الصور الاسنادية واشف ما استدلوا به قولهم ان الرحمن مجاز في الباري سبحانه لانه معناه ذو الرحمة ومعناه الحقيقي وهو رقة القلب لا وجود له ولم يستعمل في غيره تعالى واجيب بأن العرب قد استعملته في المعنى الحقيقي فقالوا لمسيلمة رحمان اليمامة ورد بأنهم لم يريدوا بهذا الاطلاق ان مسيلمة رقيق القلب حتى يرد النقض به ومما يستدل به للنافي ان أفعال المدح والذم هي افعال ماضية ولا دلالة لها على الزمان الماضي فكانت مجازات لا حقائق لها