يبق الا تقليد الرجال الذين هم متعبدون بالكتاب والسنة كتعبد من جاء بعدهم على حد سواء فان كان التعبد بالكتاب والسنة مختصا به بمن كانوا في العصور السابقة ولم يبق لهؤلاء الا التقليد لمن تقدمهم ولا يتمكنون من معرفة احكام الله من كتاب الله وسنة رسوله فما الدليل على هذه التفرقة الباطلة والمقالة الزائفة وهل النسخ الا هذا سبحانك هذا بهتان عظيم
المسالة الثالثة في تجزيء الاجتهاد وهو ان يكون العالم قد تحصل له في بعض المسائل ما هو مناط الاجتهاد من الادلة دون غيرها فاذا حصل له ذلك فهل له ان يجتهد فيها جماعة الى انه يتجزأ وعزاه الصفي الهندي الى الاكثرين وحكاه الصاحب النكت عن ابي علي الجبائي وأبي عبدالله البصري
قال ابن دقيق العيد وهو المختار لأنها قد تمكن العناية بباب من الابواب الفقهية حتى تحصل المعرفة بمأخذ احكامه واذا حصلت المعرفة بالمأخذ امكن الاجتهاد
قال الغزالي والرافعي يجوز ان يكون العالم منتصبا للاجتهاد في باب دون باب وذهب اخرون الى المنع لان المسألة في نوع من الفقه ربما كان اصلها في نوع اخر منه احتج الاولون بأنه لو لم يتجزأ الاجتهاد لزم ان يكون المجتهد عالما بجميع المسائل واللازم منتف فكثير من المجتهدين قد سئل فلم يجب وكثير منهم سئل عن مسائل فأجاب في البعض وهم مجتهدون بلا خلاف ومن ذلك ما روي ان مالكا سئل عن اربعين مسألة فأجاب في اربع منها وقال في الباقي لا ادري واجيب بأنه قد يترك ذلك لمانع او للورع او لعلمه بأن السائل متعنت وقد يحتاج بعض المسائل الى فريد بحث يشغل المجتهد عنه شاغل في الحال واحتج الباقون بأن كل ما يقدر جهله به يجوز تعلقه بالحكم المفروض فلا يحصل له ظن عدم المانع واجيب بأن المفروض حصول جميع ما يتعلق بتلك المسألة ويرد هذا الجواب بمنع حصول ما يحتاج اليه المجتهد في مسألة دون غيرها فان من لا يقتدر على الاجتهاد في بعض المسائل لا يقتدر عليه في البعض الاخر واكثر علوم الاجتهاد يتعلق بعضها ببعض ويأخذ بعضها بحجزة بعض ولا سيما ما كان من علومه مرجعه الى ثبوت الملكة فانها اذا تمت كان مقتدرا على الاجتهاد في جميع المسائل وان احتاج بعضها الى فريد بحث وان نقصت لم يقتدر على شيء من ذلك ولا يثق من نفسه لتقصيره ولا يثق به الغير لذلك فان ادعى بعض المقصرين بأنه قد اجتهد في مسألة فتلك الدعوى يتبين بطلانها بأن يبحث معه من هو مجتهد اجتهادا مطلقا فانه يورد عليه من المسالك والمآخذ مالا