بين الاجتهاد والتقليد وهي سؤال الجاهل للعالم عن الشرع فيما يعرض له لا عن رأيه البحت واجتهاده المحض وعلى هذا كان عمل المقصرين من الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن لم يسعه ما وسع اهل هذه القرون الثلاثة الذين هم خير قرون هذه الأمة على الاطلاق فلا وسع الله عليه وقد ذم الله تعالى المقلدين في كتابه العزيز في كثير من الايات { إنا وجدنا آباءنا على أمة } { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله } { إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا } وامثال هذه الايات ومن اراد استيفاء هذا البحث على التمام فليرجع الى الرسالة التى قدمت الاشارة اليها والى المؤلف الذي سميته ادب الطلب ومنتهى الارب وما احسن ما حكاه الزركشي في البحر عن المزني انه قال يقال لمن حكم بالتقليد هل لك من حجة فإن قال نعم ابطل التقليد لان الحجة اوجبت ذلك عنده لا التقليد وان قال بغير علم قيل له فلم أرقت الدماء وابحت الفروج والاموال وقد حرم الله ذلك إلا بحجة فان قال انا اعلم اني اصبت وان لم اعرف الحجة لأن معلمي من كبار العلماء قيل له تقليد معلم معلمك اولى من تقليد معلمك لأنه لا يقول الا بحجة خفيت عن معلمك كما لم يقل معلمك الا بحجة خفيت عنك فان قال نعم ترك تقليد معلمه الى تقليد معلم معلمه ثم كذلك حتى ينتهي الى العالم من الصحابة فان ابى ذلك نقض قوله وقيل له كيف يجوز تقليد من هو اصغر واقل علما ولا يجوز تقليد من هو اكبر واغزر علما وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه حذر من زلة العالم وعن ابن مسعود انه قال لا يقلدن احدكم دينه رجلا ان آمن آمن وان كفر كفر فانه لا اسوة في الشر انتهى قلت تتميما لهذا الكلام وعند ان ينتهي الى العالم من الصحابة يقال له هذا الصحابي اخذ علمه من اعلم البشر المرسل من الله تعالى الى عباده المعصوم من الخطأ في أقواله وأفعاله فتقليده أولى من تقليد الصحابي الذي لم يصل اليه الا شعبة من شعب علومه وليس له من العصمة شيء ولم يجعل الله سبحانه قوله ولا فعله ولا اجتهاده حجة على احد من الناس
واعلم انه لا خلاف في ان رأي المجتهد عند عدم الدليل انما هو رخصة له يجوز له