وقوله { أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا } والعبث لا يجوز على الحكمة فثبت انها مخلوقة لحكمة ولا تخلو هذه الحكمة اما ان تكون لعود النفع اليه سبحانه او الينا والاول باطل لاستحالة الانتفاع عليه عز وجل فثبت انه انما خلقها لينتفع بها المحتاجون اليها واذا كان كذلك كان نفع المحتاج مطلوب الحصول اينما كان فان منع منه فانما هو يمنع منه لرجوع ضرره الى المحتاج اليه وذلك بأن ينهى الله عنه فثبت ان الاصل في المنافع الاباحة
وقد احتج القائلون بان الاصل المنع بمثل قوله تعالى { وقد فصل لكم ما حرم عليكم } وهذا خارج عن محل النزاع فإن النزاع انما هو فيما لم ينص على حكمه او حكم نوعه واما ما قد فصله وبين حكمه فهو كما بينه بلا خلاف واحتجوا ايضا بقوله تعالى { ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام } قالوا فأخبر الله سبحانه ان التحريم والتحليل ليس الينا وانما هو إليه فلا نعلم الحلال والحرام إلا بإذنه ويجاب عن هذا بأن القائلين بأصالة الإباحة لم يقولوا بذلك من جهة أنفسهم بل قالوه بالدليل الذي استدلوا به من كتاب الله وسنة رسوله كما تقدم فلا ترد هذه الاية عليهم ولا تعلق لها بمحل النزاع واستدل بعضهم بالحديث الصحيح الثابت في دواوين الاسلام عنه صلى الله عليه وسلم قال الحلال بين والحرام بين وبينهما امور مشتبهات والمؤمنون وقافون عند الشبهات الحديث قال فأرشد صلى الله عليه وسلم الى ترك ما بين الحلال والحرام ولم يجعل الاصل فيه احدهما ولا يخفاك ان هذا الحديث لا يدل على مطلوبهم من ان الأصل المنع فإن استدل به القائلون بالوقف فيجاب عنه بأن الله سبحانه قد بين حكم ما سكت عنه بأنه حلال بما سبق من الادلة وليس المراد بقوله وبينهما امور مشتبهات الا ما لم يدل الدليل على انه حلال طلق او حرام واضح بل تنازعه امران احدهما يدل على الحاقه بالحلال والاخر يدل على الحاقه بالحرام كما يقع ذلك عند تعارض الادلة اما ما سكت الله عنه فهو مما عفا عنه كما تقدم في حديث سلمان وقد اوضحنا الكلام على