والذي صح عن الشافعي انه قال في الناس من يمحض الطاعة فلا يمزجها بمعصية وفي المسلمين من يمحض المعصية ولا يمزجها بالطاعة فلا سبيل الى رد الكل ولا الى قبول الكل فان كان الاغلب على الرجل من امره الطاعة والمروءة قبلت شهادته وروايته وان كان الاغلب المعصية وخلاف المروءة رددتها قال ابن السمعاني لا بد في العدل من اربع شرائط المحافظة على فعل الطاعه واجتناب المعصية وان لا يرتكب من الصغائر ما يقدح في دين او عرض وان لا يفعل من المباحات ما يسقط القدر ويكسب الندم وان لا يعتقد من المذاهب ما يرده اصول الشرع قال الجويني الثقة هي المعتمد عليها في الخبر فمتى حصلت الثقة بالخبر قبل وقال ابن الحاجب في حد العدالة هي محافظة دينية تحمل على ملازمة التقوى والمروءة ليس معها بدعة فزاد قيد عدم البدعة وقد عرفت ما هو الحق في اهل البدع في الشرط الذي مر قبل هذا والأولى ان يقال في تعريف العدالة انها التمسك بآداب الشرع فمن تمسك بها فعلا وتركا فهو العدل المرضى ومن اخل بشيء منها فإن كان الاخلال بذلك الشيء يقدح في دين فاعله او تاركه كفعل الحرام وترك الواجب فليس بعدل واما اعتبار العادات الجارية بين الناس المختلفة باختلاف الاشخاص والازمنة والأمكنهة والأحوال فلا مدخل لذلك في هذا الامر الديني الذي تنبني عليه قنطرتان عظيمتان وجسران كبيران وهما الرواية والشهادة نعم من فعل ما يخالف ما يعده الناس مروءة عرفا لا شرعا فهو تارك للمروءة العرفية ولا يستلزم ذلك ذهاب مروءته الشرعية
وقد اختلف الناس هل المعاصي منقسمة الى صغائر وكبائر ام هي قسم واحد فذهب الجمهور الى انها منقسمة الى صغائر وكبائر ويدل على ذلك قوله سبحانه { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم } وقوله { وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان } ويدل عليه ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم متواترا من تخصيص بعض الذنوب باسم الكبائر وبعضها بأكبر الكبائر وذهب جماعة الى ان المعاصي قسم واحد ومنهم الأستاذ أبو إسحاق والجويني وابن فورك ومن تابعهم قالوا إن المعاصي كلها كبائر وانما يقال لبعضها صغيرة بالنسبة الى ما هو اكبر كما يقال الزنا صغيرة بالنسبة الى الكفر والقبلة المحرمة صعيرة بالنسبة الى الزنا وكلها كبائر قالوا ومعنى قوله { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه }