فهرس الكتاب

الصفحة 101 من 133

ومن وجهة أخرى، فمظهر إعلان الدولة حسبما صورناه، ليس غريبًا على العالم قديمًا وحديثًا، فقد شهد التاريخ القديم والمعاصر نشوء دول وحكومات على هذا النمط، حتى نمت وتوسعت وتوطدت أركانها ...

فدولة النبوة الأولى كانت شبيهة بهذا الحال إن لم تكن مطابقة له في مراحلها الأولى، عندما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وبدء ينظم أمور الناس، لم يستتب له الأمر إلا بعد اضطرابات حصلت من قبل اليهود والمنافقين داخل المدينة:

فبنو قينقاع:

قام أحد رجالهم بالاعتداء على امرأة مسلمة وكان يريد إجبارها على كشف وجهها فربط ذيل ثوبها بمسمار فانكشفت عورتها فاستغاثت بالمسلمين فجاء أحد المسلمين فقتله ثم قام يهودي آخر فقتل المسلم، وبعد ذلك أجلاهم الرسول صلى الله عليه وسلم عن المدينة.

و بنو النضير:

كانوا يريدون إلقاء حجر على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما كان جالسًا معهم تحت بيت من بيوتهم لأمر كان يبحثه معهم، ولكن الله تعالى أخبر رسوله بما كانوا يريدون فعله فرجع عليه الصلاة والسلام وجهز جيشًا وعاد إليهم لقتالهم، وبعد أن حاصرهم طلبوا منه أن يجليهم ويأخذوا متاعهم دون السلاح فوافق صلى الله عليه وسلم وخرجوا من المدينة، ونزلت في حقهم سورة الحشر.

وبنو قريظة:

نقضوا عهدهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أثناء غزوة الخندق حين أعانوا قريشًا ليدخلوا من جهتهم بعد أن اتفق معهم أن لا يدخلوا من ديارهم، وعندما انتهت غزوة الأحزاب سارع الرسول صلى الله عليه وسلم لتصفية الحساب معهم وبعد الحصار استسلموا وحكم عليهم سعد بن معاذ بأن يقتل رجالهم وتوزع أموالهم وتسبى نساؤهم، ونفذ الحكم في حوالي (700) من رجالهم وقد ذكرت قصتهم في سورة الأحزاب.

ويهود خيبر:

وهؤلاء أيضًا نقضوا عهدهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة الخندق وحاصرهم الرسول صلى الله عليه وسلم وكانت خيبر أكبر حصونهم وطال حصارهم وكانوا من أكثر قبائل اليهود عددًا في ذلك الوقت، وبعد الحصار الطويل طلبوا الصلح، فأجابهم الرسول صلى الله عليه وسلم لذلك ولكنهم نقضوه مرة أخرى فسبى المسلمون نساؤهم وأولادهم وقسموا أموالهم واتفقوا مع الرسول أن يبقوا ويزرعوا الأرض ويقسموا نتاجها بينهم وبين المسلمين، حتى طردهم الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه من الجزيرة العربية حين هموا بالغدر مرة أخرى ليقتلوا ابن عمر رضي الله عنهما.

كل هذا حدث مع النبي صلى الله عليه وسلم بعد إعلانه للدولة في المدينة وممارسته للسلطة فيها، وهو ما يعرف باللغة المعاصرة بالاضطرابات الداخلية، ولكن ذلك كله لم يكن سببًا في التوقف عن ممارسة السلطة أو كبح صلاحيات الدولة لاختلال شرط من شروطها أو فقدانه، ومعركة الأحزاب خير شاهد على هذا فقد جاء أعداء الدولة الإسلامية من كل جانب، وانقلب عليها بعض من رعاياها وهم اليهود وكادت الدولة أن تسقط في المصطلح المعاصر، لفقدان مظاهر السيادة والسيطرة في عدد من المناطق وخاصة الأحياء اليهودية ولم يكن هذا مانعًا من استمرار الدولة ومحافظتها على أدوارها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت