لسنا بعيدين عن الصواب إن قلنا بأن مجلس شورى المجاهدين في العراق هو المثال الذي يحتذى لتناصر أهل الحل والعقد وتآلف لحمتهم، فعلى مر الحرب مع الصليبين وأعوانهم بفصولها المختلفة، كان لهذا المجلس سابقة متميزة في لمّ شمل المجاهدين وتوحيد صفوفهم وتدعيم قرارهم، فتحول شتات المجاميع والجماعات والكتائب العسكرية إلى جيش موحد يعمل بقيادة مركزية، وشورى منضبطة تحت أطر شرعية ومرتكزات فقهية، أخذت بيد الساحة نحو أفق عظيم جدًا من تضافر الجهود وانسجام الخطط العسكرية وتناغم التراتيب الإدارية على مساحة واسعة من الأرض وضمن هيكل تنظيمي كبير، بات المجلس من خلاله ـ بفضل الله ـ له الكلمة الأولى على الأرض في معظم مناطق العراق وساحاته الملتهبة، فصفوف المجلس جمعت وجهاء كبار من أفاضل المسلمين من أصحاب الكلمة المسموعة، وممن يمتلك نفوذًا وتأثيرًا واسعًا في محيط عشائره وأتباعه، إلى جانب أهل الخبرة العسكرية والحنكة الميدانية، مع صف الشيوخ والقضاة وطلبة العلم والدعاة وأصحاب الكفاءات المختلفة، فكان المجلس بحق صورة لامعة لما يعرف بمجلس أهل الحل والعقد، وهم الذين تنتهي إليهم الأمور من وجهاء المسلمين لحصول القوة والشوكة والمنعة لهم، والدليل على ذلك هو فعل الصحابة رضي الله عنهم عند تنصيب عثمان على الخلافة، فقد تم الأمر عن طريق مجلس معين من المتشاورين الذين انتهت إليهم معاقد الأمور، اتفقوا على اختيار عثمان خليفة بعد عمر رضي الله عنه.
قال الماوردي في الأحكام السلطانية [1] :
"ثُمَّ بَايَعَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ. فَكَانَتْ الشُّورَى الَّتِي دَخَلَ أَهْلُ الْإِمَامَةِ فِيهَا وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهَا أَصْلًا فِي انْعِقَادِ الْإِمَامَةِ بِالْعَهْدِ وَفِي انْعِقَادِ الْبَيْعَةِ بِعَدَدٍ يَتَعَيَّنُ فِيهِ الْإِمَامَةُ لِأَحَدِهِمْ بِاخْتِيَارِ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تُجْعَلَ شُورَى فِي اثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ إذَا كَانُوا عَدَدًا مَحْصُورًا.".
ولو دققنا النظر في أوصاف المجلس وحقيقته لرأيناه منسجمًا مع شروط أهل الحل والعقد وأوصافهم المعتبرة، إن لم نقل لا نعلم غيره أهل حلٍّ وعقد في هذا الوقت.
قال المارودي في الأحكام السلطانية [2] :
فَأَمَّا أَهْلُ الِاخْتِيَارِ فَالشُّرُوطُ الْمُعْتَبَرَةُ فِيهِمْ ثَلَاثَةٌ: أَحَدُهَا الْعَدَالَةُ الْجَامِعَةُ لِشُرُوطِهَا.
وَالثَّانِي: الْعِلْمُ الَّذِي يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى مَعْرِفَةِ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْإِمَامَةَ عَلَى الشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ فِيهَا.
وَالثَّالِثُ: الرَّايُ وَالْحِكْمَةُ الْمُؤَدِّيَانِ إلَى اخْتِيَارِ مَنْ هُوَ لِلْإِمَامَةِ أَصْلَحُ وَبِتَدْبِيرِ الْمَصَالِحِ أَقْوَمُ وَأَعْرَفُ
وقال القلقشندي في مآثر الأناقة [3] :
"والثامن وهو الأصح عند أصحابنا الشافعية رضي الله عنهم، أنها تنعقد بمن تيسر حضوره وقت المبايعة في ذلك الموضع من العلماء والرؤساء وسائر وجوه الناس المتصفين بصفات الشهود حتى لو تعلق الحل والعقد بواحد مطاع كفى"، انتهى.
(1) -ص (13) و الأحكام السلطانية - (ج 1 / ص 17)
(2) -ص (6) و الأحكام السلطانية - (ج 1 / ص 4)
(3) -ص (1/ 42) و مآثر الإنافة في معالم الخلافة - (ج 1 / ص 23)