الخضراء وهو مضيق عليه فيه والدولة الإسلامية قد كسرت شوكة أعوانهم من الشرطة وغيرهم في مواضع كثيرة والمحتل لم يجد بابًا لسيطرته ونفوذه إلا عن طريق هؤلاء المرتدين وحالهم ما علمت فالدار ليست جميعها دار حرب لا يتأتى إقامة شرع الله فيها من كل وجه بل حال الدولة الإسلامية في كثير من المواضع أقل خوفًا مما جرى لدولة الإسلام النبوية بإمامها محمد صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب ولذا إن كانت شريعة الطاغوت غير نافذة على الناس وهم كذلك فاقدون لمن يسوسهم بشرع الله فهل يحل للأمة وأهل الشوكة منهم تركهم بلا سلطان ولا إمام يقودهم بدين الله وشرعه فليست الشوكة معدومة كحال الموت ولا هي تامة بكافة صورها، ولذا وجه الأحناف عدم وجوب إقامة الحدود في دار الحرب بانقطاع ولاية الإمام فيها، فجاء في البحر الرائق"لَا يَجِبُ الْحَدُّ بِالزِّنَا فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ فِي دَارِ الْبَغْيِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ {لَا تُقَامُ الْحُدُودُ فِي دَارِ الْحَرْبِ} وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الِانْزِجَارُ وَوِلَايَةُ الْإِمَامِ مُنْقَطِعَةٌ فِيهِمَا فَيَعْرَى الْوُجُوبُ عَنْ الْفَائِدَةِ أَطْلَقَهُ فَأَفَادَ أَنَّهُ لَا يُقَامُ بَعْدَ الْخُرُوجِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَنْعَقِدْ مُوجَبَةً فَلَا تَنْقَلِبُ مُوجَبَةً قَيَّدَ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَالْبَغْيِ؛ لِأَنَّ مَنْ زَنَى فِي مَحَلِّ نُزُولِ الْعَسْكَرِ، فَإِنَّ مَنْ لَهُ وِلَايَةُ الْإِقَامَةِ بِنَفْسِهِ كَالْخَلِيفَةِ وَأَمِيرِ مِصْرِهِ أَنْ يُقِيمَ الْحَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ تَحْتَ يَدِهِ بِخِلَافِ أَمِيرِ الْعَسْكَرِ، وَالسَّرِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُفَوِّضْ إلَيْهِمَا الْإِقَامَةَ وَيُسْتَثْنَى مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَا لَوْ زَنَى فِي الْعَسْكَرِ، وَالْعَسْكَرُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فِي أَيَّامِ الْمُحَارَبَةِ قَبْلَ الْفَتْحِ لَهُ أَنْ يُقِيمَهُ لِلْوِلَايَةِ حِينَئِذٍ بِخِلَافِ مَا إذَا زَنَى وَاحِدٌ مِنْهُمْ خَارِجَ الْعَسْكَرِ، فَإِنَّهُ لَا يُقِيمُ الْحَدَّ عَلَيْهِ."أ. هـ. [1]
هذا في إقامة الحدود و الإلزام بها انقطعت ولايته عندهم لانقطاع الشوكة بخلاف حال من له أجناد كثر وأتباع لهم وأنصار أكثر من ذلك فالفائدة ليست عرية لوجود الإمام بل وجوده متعين وتنصيب الإمام في هذه الحال فرض على الأمة، وصحة الحكم فرع عن صحة التصور فتنبه.
3_ سيقال: دولتكم المعلنة لا تستحق رسم الدولة، فأول واجبات الدولة حفظ الأمن وتوفير أسبابه، وأنتم ترون فقدان الأمن في كثير من المناطق، بل أنتم ما زلتم تتعرضون لهجمات شرسة من العدو الصليبي ومعارك الكر و الفر ما زالت على قدم وساق بينكم وبينه، فكيف طاب لكم أن تتحدثوا عن دولة إسلامية!!
ونقول:
نعم الأمن الذي تتحدثون عنه بات مفقودًا، ساعة دخول القوات الصليبية إلى أرض العراق، والكل يعلم الفشل العام الذي أصاب البلاد والذي أدى إلى انتكاس كل مرافق الحياة العامة، فالمسؤول الأول عن ضياع الأمن هو الغزو الصليبي وأذنابه من أهل الردة، وفي هذا السياق ألمحنا في الأسباب والدواعي أن المجاهدين قد بذلوا وسعهم في سد هذه الخلة منذ بدء الجهاد، وقد تفاوتت أعمالهم ومشاريعهم في التعامل مع هذه المشكلة حسب ما تقتضيه الظروف والأحوال، ففي كثير من الأحيان كانت مناطق المجاهدين تتحول إلى ساحات حرب حقيقية دامية، وبالتأكيد أحكام
(1) - [5\ 18] و الهداية للمرغياني - (ج 3 / ص 44) والعناية شرح الهداية - (ج 7 / ص 198) وفتح القدير - (ج 11 / ص 453) و البحر الرائق شرح كنز الدقائق - (ج 13 / ص 70)