فإن قيل لازم القول بأنه يكفي في معنى الجنة و المنعة والشوكة حصول جنسها أو شيء منها تقوم به الإمامة القول بترتيب بعض الآثار التي لم توجد مسبباتها كالحكم على أبناء ونساء المرتدين بالردة لعدم الانحياز إلينا. فيقال بأن تلك الآثار ونحوها لا تلزم إلا مع تمام الشوكة و إمكان الانحياز لا أنه لا إمام إلا بشوكة تامة ودار منعة يمكن الانحياز إليها و الاتقاء بها وهذا معنى زائد عن أصل الشوكة و المنعة التي يمكن معها تنصيب إمام للمسلمين تبرأ به الذمة ويلزم من سوى جماعته ذات شوكة مبايعته والخروج من تبعة خلو الزمان من جماعة ذات شوكة وإمام يقودهم بكتاب الله، فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «إِنَّمَا الإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ فَإِنْ أَمَرَ بِتَقْوَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَدَلَ كَانَ لَهُ بِذَلِكَ أَجْرٌ وَإِنْ يَامُرْ بِغَيْرِهِ كَانَ عَلَيْهِ مِنْهُ» أخرجه مسلم برقم (4878) .
"فهذا الحديث يشير لهذا المعنى فالإمام فرع عن وجود طائفة ذات شوكة ومنعة و الآثار و الأحكام المترتبة على تلك الطائفة متعلق بدرجات الشوكة و المنعة قوة وضعفًا، وظهور ذلك بين لمن خلع عنه ربقة الهوى والتقليد."
ونقول:
الأصل الذي نرجع إليه في قراراتنا وخطط عملنا هو الكتاب والسنة، والأقوال المعتبرة لأهل العلم المشهود لهم من السلف والخلف، ولا نعلم في هذه الأصول توصيفًا للدولة المسلمة يجعل من مقوماتها وجود أجهزة معينة على نحو ما يراه العالم اليوم من شأن الحكومات، ولا دليل معلوم يشترط وجود أجهزة ومرافق على نحو الدول العصرية التي أغلب تنظيماتها أتت عن طريق الغرب الكافر وميراثه السياسي، وهذا ليس إنكار منا لدور تلك الأجهزة و فاعلية تلك المرافق التي تنظم عمل الدولة، وتسهم في إنجاز أعمالها، ولكن تنبيهنا ينصبُّ على اشتراط التوصيف المعاصر للدول في هيكلتها وإدارتها في دولة الإسلام المنشودة، نقول لا دليل من الشرع يكيف نوعًا معينًا من التنظيم أو الإدارة يلزم به الدولة الإسلامية الناشئة، ولكن الأمر موكول إلى أولي الأمر القائمين على هذه الدولة أن يختاروا ما هو أصلح للمسلمين وما يناسب أحوالهم من نظم الإدارة والهيكلة والتراتيب التي تفعّل أعمال الدولة وتسهم في توجيه كفاءاتها وطاقاتها بما يرضي الله عز وجل، وعليه فلا ضرورة الآن من التشديد على إظهار مرافق رسمية للدولة المسلمة، وهو في الحال الراهن لا يعدو أن يكون مظهرًا إعلاميًا باهتًا، كما هو حال الحكومة العراقية العميلة، فهي ظاهرة للعيان إعلاميًا ولكنها ساقطة عمليًا بأجهزتها وإداراتها، وعلى العكس، فدولة المجاهدين ستكون غير ظاهرة المرافق ولكنها موجودة على الأرض في تماس مع الناس، وتفاعل كبير مع واقعهم وحاجاتهم.