وانكفاءه عن الاجتماع والتآلف الذي يطلبه الشرع ويحث عليه بكل سبيل، مع وجود ما يمكن أن يكون رابطة يلتحم من خلالها أهل الحل والعقد وتلتئم صفوفهم.
وهذا هو واقع الحال، فالكثير من المنتسبين لأهل السنة، يلهثون وراء جهود ضائعة كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا، فرغم تنطع الكثيرين من محترفي السياسة وخداميها من إمكانية الوصول لحلول تحقق نجاحات ومكاسب لأهل السنة في العراق، وإملاءهم على المسامع الكثير من الصخب والأغلوطات التي لا تنفق إلا في سوق التلبيس والتدليس، واحتيالهم على أبناء الأمة وإيقاع الكثير منهم في فخ الانتخابات وركس البرلمانات، ثم هم لم يجنوا شيئًا من وراء ذلك، بل هم في حضيض مستمر، وزاد في الطين بلة أن ملامح التقهقر بدت بالظهور على بعض الطوائف والجماعات المنتسبة للجهاد أو ما يسمونه بالمقاومة، فقد صرح بعضهم ـ الجيش الإسلامي _ أنه على استعداد للتفاوض مع الأمريكان تحت شروط معلنة أو غير معلنة، فالأمر المتأكد أن الذين يعملون في الساحة تأخروا عن تنصيب الدولة إما لتقصيرهم في ذلك أو لقصورهم عن أداء مهامها وبلوغ مرتبتها في المنعة والشوكة التي هي قاعدة الإمامة، وقد سبق كلام أبي المعالي الجويني حول تأخر أهل الحل والعقد عن هذا الواجب فقال:
"ونحن نقول فيه إن قصر العاقدون وأخروا تقديم إمام وطالت الفترة وتمادت العسرة وانتشرت أطراف المملكة وظهرت دواعي الخلل، فتقدم صالح للإمامة داعيًا إلى نفسه محاولًا ضم النشر ورد ما ظهر من دواعي الغرر، فإذا استظهر بالعدة التامة من وصفناه فظهوره هذا لا يحمل على الفسوق والعصيان والمروق، فإذا جرى ذلك وكان يجر صرفه ونصب غيره فتنًا وأمورًا محذورة، فالوجه أن يوافق ويلقي إليه السلم وتصفق له أيدي العاقدين". [1]
لذلك فالحل الشرعي لهذا الواقع هو المسارعة في أداء الواجب الشرعي في إقامة الدولة بالجهد الممكن والمستطاع ووفقًا للظروف التي تؤمن أمثل الموجود وأصلحه عملًا بقول الله عز وجل: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (16) سورة التغابن وقوله: ( {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَانَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} (286) سورة البقرة)
و عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ «دَعُونِى مَا تَرَكْتُكُمْ، إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ وَاخْتِلاَفِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَىْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَاتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» أخرجه البخاري برقم (7288) ومسلم برقم (3321)
(1) - غياث الأمم في التياث الظلم - (ج 1 / ص 130)