ونقول:
لا شك أن الحديث يدور الآن على مناطق محددة من العراق، ولكننا بيّنا أن التكليف الشرعي وإقامة أحكام الدِّيْن منوط بالمستطاع والممكن، والله يعلم أن المجاهدين يرومون بأهدافهم القريبة والبعيدة تخليص الأراضي الإسلامية من رجس الطواغيت وتوحيدها تحت راية إسلامية ذات شوكة ومنعة تعيد لهم أمجادهم وأيام عزهم، ولكن الشأن الآن في كيفية بلوغ هذا الهدف؟
المعطيات الحالية على الأرض لا تسمح بإنشاء عراق إسلامي كامل لأسباب سنعرج عليها الآن، فالتدرج سنة ربانية وحكمة نورانية لا تتعثر فيها الخطى ولا تتيه بها الآراء، فلا حرج شرعًا أن تقام الدولة على أجزاء من العراق الحبيب توطدت شوكة المجاهدين فيها وترسخت، ريثما تتهيأ إمكاناتهم لبسط نفوذ الدولة الجديدة على باقي مناطق العراق.
وقد أسلفنا الحديث من أن التقسيم الحالي المعروف لأرض العراق لم يكن معروفًا إلا من عشرات قليلة من السنين بعد إبرام اتفاقية -سايكس بيكو- فكانت هذه الحدود المشؤومة التي مزقت المنطقة وفرقت شعوبها وخيلت إليهم أن هذا الرسم الجغرافي هو بمثابة الشرع المنزل الذي لا محيد عنه، ولكن الإسلام لا يعرف حدودًا مرسومة ومسبقة يتقوقع فيها ويجمد عند خطوطها، فالإسلام أتى للدعوة والانتشار، وجرت عادة هذا الدِّيْن في التاريخ، أن أي أرض وقعت تحت الشوكة الإسلامية والقوة الجهادية أصبحت أرضًا إسلامية لها أحكام الديار المسلمة المعروفة من إقامة الحدود وتطبيق الشرع وإنفاذ أحكامه وشرائعه، حتى لو فرض أن أرضًا إسلامية اغتصبت من غزاة محتلين فلا ينتظر تحريرها بالكامل، بل متى وقع التحرير على بعضها أقيمت عليه شرائع الإسلام بحسب الممكن وهو مفهوم الدولة الإسلامية التي نادى بها المجاهدون من أبناء مجلس الشورى.
وهو ما تثبته وقائع التاريخ الإسلامي في حروب المسلمين مع الصليبين والتتار، فقد نشأت دول إسلامية ممكنة على بقاع صغيرة من الأرض ثم ترعرعت وتمكنت عبر مراحل زمنية متفاوتة مع وجود المحتل وبقائه في أراض إسلامية كثيرة ولم يكن ذلك تقسيم للأرض كما هو واضح، بل كان عملًا بالممكن والمستطاع.
وأما لماذا لا يكون مشروع الدولة على كامل التراب العراقي؟
فهذا لا تتيحه معطيات الواقع، فالأمر مكشوف للجميع من أن مشروع تقسيمٍ جاهزٌ ومعدٌ مسبقًا، والقوى التي تتربص بأهل السنة قد أعدت عدتها للانفصال بأقاليمها الجغرافية، وتشكيل حكومات مستقلة تحت مسميات تهريجية كالفدرالية مثلًا، وهذا أمر لا تعوزه شدة الملاحظة وكثرة التأمل، والدستور العراقي أُعدَّ فيما أُعدَّ له لخدمة هذه الأغراض الصهيوصليبية في المنطقة، فالروافض الحاقدون يسيطرون على الجنوب العراقي ولا يخفون نواياهم في تحقيق مأربهم في دولة مستقلة تحت أي مسمى وبأي شكل أراده العالم وبأي نوع من العمالة وبأخس درجة، سواء كانت للصليبين الأمريكيين أو البريطانيين أو الإيطاليين أو غيرهم، أو كانت لإيران