لهذا الأمر وتفسح المجال لأهل البذل والعطاء أن يأخذوا أماكنهم قبل غيرهم، قبل انتشار ظاهرة التسول وفشوها.
في ظل الأوضاع القاتمة التي عاشها المسلمون في العراق إبان الغزو، قامت فئات عديدة من مرضى النفوس وأصحاب الأهواء، لتعزف على وتر الجهاد وتركب موجته في سبيل نيل حفنة من حطام الدنيا أو بُلغة من مال أو جاه، فاستغلوا سطوع اسم الجهاد والمجاهدين في العراق، ليكسبوا من وراءه مالًا أو متاعًا أو جاهًا، ويتسترون من وراءه أنهم هم أهل الجهاد وأسياده، والجهاد والمجاهدون منهم براء، وللمناسبة فهؤلاء لا يشكلون شيئًا يذكر على أرض الواقع لكونهم لا يتجاوزن في أحجامهم مجموعات وأفراد، ولكن ضررهم يكمن في الإساءة للسمعة الجهادية عبر سلوكياتهم وتصرفاتهم الغير أخلاقية والغير مسؤولة، فضلًا عن تبن بعضهم لعمليات وضربات عسكرية لا صلة لهم بها أصلًا، ولكنه الحسد والأشر واعوجاج النفس ولا حول ولا قوة إلا بالله.
هذا ما تيسر تحبيره وتسجيله بعد استرواح الأفكار وملاطفتها، حول الأسباب والدواعي التي تحث المجاهدين على إعلان دولتهم المباركة، وهي تصور الخطوط الواضحة والأساسية لهذا الاتجاه وإن كان لا يخلو الأمر عن وجود دواع أخرى لم يسعفنا الوقت والجهد لذكرها، فلعل المثبت قد وفى بالمطلوب وعلى الله التكلان هو حسبي ونعم الوكيل.
الأصل الهام الذي انبثقت من خلاله أعمال مجلس الشورى وبرامجه المختلفة هو صدوره في منهاجه الشرعي والحركي عن الأصول الثابتة المعتمدة في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولهذا كان إعلان الدولة الإسلامية في العراق لا يخرج عن تلك الأصول الثابتة القائمة على مناهج الوحيين، وهذا يعني أن المنهج الذي تقوم عليه الدولة الناشئة ليس منهجًا آرائيًا، يقوم على أساس جمع من الآراء والأفكار المتضاربة والمتصارعة، كما هو شأن البرلمان العراقي وغيره من البرلمانات الذي لا تقوم له قائمة ببركة النزاعات والشقاقات، فالدولة المسلمة تنطلق من منهاج تشريعي موحد تنص عليه الشريعة وتقرره بموجب الأدلة الشرعية وقواعدها المعروفة عند أهل العلم، وهذا يعني أنه لا يجوز الانصهار أو الاندماج أو تكوين صف واحد مع أحزاب أو هيئات ترفع راية وعلمًا وأهدافًا في الحياة تخالف غايات الإسلام ومنهاجه كالشيوعية والبعثية ونحوها من الأحزاب الإلحادية اللادينية، أو التي يسيرها ملاحدة لا دينيون أو مشركون وثنيون، بل يجب على أهل الإسلام والتوحيد أن يرفعوا رايتهم المستقلة ولو لم يكن تحتها إلا رجل واحد، وأن يعلنوا عقيدتهم المستقلة ولو لم يكن لهم أنصار قط، وذلك لأن الشرع لا يقبل حلف يتوازى فيه التوحيد والشرك، والإيمان والكفر فإنه لا بد أن يحصل تنازل عن بعض الحق،