قال الله تعالى: {سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَاخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا} (15) سورة الفتح [1]
قال الألوسي في روح المعاني [2] :
"وقد جاء في الأخبار الصحيحة أن الله تعالى وعد أهل الحديبية أن يعوضهم من مغانم مكة خيبر إذا قفوا موادعين لا يصيبون شيئًا وخص سبحانه ذلك بهم أي سيقولون عند إطلاقكم إلى مغانم خيبر لتأخذوها حسبما وعدكم الله تعالى إياها وخصكم بها طمعًا في عرض الدنيا لما أنهم يرون ضعف العدو ويتحققون النصرة {ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ} إلى خيبر ونشهد معكم قتال أهلها {يُرِيدُونَ أَن يُبَدّلُوا كلام الله} بأن يشاركوا في الغنائم التي خصها سبحانه بأهل الحديبية وحاصله يريدون الشركة التي لا تحصل لهم دون نصرة الدين وإعلاء كلمة الله تعالى".
فقد أخبرتنا عدد من التجارب التاريخية منها والمعاصرة، عن دور المتسولين على موائد النصر في إخفاق المشروع الجهادي عن بلوغ أهدافه، فبعد خروج الغزاة ورحيلهم، يأتي دور طوائف منافقة تريد أن تقطف الثمرة يانعة خالصة، وتزعم أحقيتها في السلطة وتروج عن دور لها في الجهاد والمواجهة، وهي مقطوعة السند والأصل عن الساحة والميدان، كما حدث تمامًا عند خروج الغزو الفرنسي من بلاد الشام والجزائر وكذلك الإنكليزي من مصر والعراق، تلقفت السلطة بعدها حفنة من المأجورين والمستخدمين لدى الغزو الراحل، قامت هذه الحفنة بالالتفاف على المكاسب الجهادية باسم الوطنية والقومية والاستقلال، فأخذت زمام السلطة وانحرفت بالشعوب عن طريق الإسلام وشريعته، وتوطدت من بعد ذلك قواعد الأنظمة العربية الحاكمة المعروفة، فحتى لا تذهب الدماء وتضيع الجهود، ويوسد الأمر لغير أهله، لابد من تعجيل موعد الحصاد فخير البر عاجله، لما في ذلك من المصلحة العظيمة في وضع النصر بأيدي الذين يستحقونه والفرصة الحالية توطئ
(1) - وفي ظلال القرآن - (ج 6 / ص 478)
أغلب المفسرين يرون أنها إشارة إلى فتح خيبر. وقد يكون هذا. ولكن النص يظل له إيحاؤه ولو لم يكن نصًا في خيبر. فهو يوحي بأن المسلمين سيفتح عليهم فتح قريب يسير. وأن هؤلاء المخلفين سيدركون هذا، فيقولون: {ذرونا نتبعكم} ..
ولعل الذي جعل المفسرين يخصصون خيبر، أنها كانت بعد قليل من صلح الحديبية. إذ كانت في المحرم من سنة سبع. بعد أقل من شهرين من صلح الحديبية. وأنها كانت وافرة الغنائم. وكانت حصون خيبر آخر ما بقي لليهود في الجزيرة من مراكز قوية غنية. وكان قد لجأ إليها بعض بني النضير وبني قريظة ممن أجلوا عن الجزيرة من قبل.
وتتواتر أقوال المفسرين أن الله وعد أصحاب البيعة في الحديبية أن تكون مغانم خيبر لهم لا يشركهم فيها أحد. ولم أجد في هذا نصًا. ولعلهم يأخذون هذا مما وقع فعلًا. فقد جعلها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أصحاب الحديبية. ولم يأخذ معه أحدًا غيرهم.
وعلى أية حال فقد أمر الله نبيه أن يرد المخلفين من الأعراب إذا عرضوا الخروج للغنائم الميسرة القريبة. وقرر أن خروجهم مخالف لأمر الله. وأخبر نبيه - صلى الله عليه وسلم - أنهم سيقولون إذا منعوا من الخروج: {بل تحسدوننا} .. فتمنعوننا من الخروج لتحرمونا من الغنيمة. ثم قرر أن قولهم هذا ناشئ عن قلة فقههم لحكمة الله وتقديره. فجزاء المتخلفين الطامعين أن يحرموا، وجزاء الطائعين المتجردين أن يعطوا من فضل الله، وأن يختصوا بالمغنم حين يقدره الله، جزاء اختصاصهم بالطاعة والإقدام، يوم كانوا لا يتوقعون إلا الشدة في الجهاد.
(2) -روح المعاني (26/ 101) و تفسير الألوسي - (ج 19 / ص 200)