فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 133

وضرورة المسارعة في تبنيه وفقًا لمتطلبات شرعية وسياسية منطقية، وأخيرًا يشرف البحث على مناقشة الأفكار والاعتراضات التي ستواجهها الدولة الإسلامية الفتية، ويفند الكثير من الشبهات التي تثار حول الدولة المباركة وطريقة إقامتها.

إن البحث في مشروع الدولة الإسلامية، بحثٌ في مصير الأمة، ومستقبل أجيالها، وعلى الأمة أن تفقه أحكامه، وتربطها بالواقع، فموضوع الدولة الإسلامية ليس بحثًا نظريًا ترفيًا ينتهي عند حدود المؤتمرات والمنتديات التي لا ترجع من ورائها بطائل، بمعنى أنّ البحث الذي بين أيدينا هو بحثٌ عمليٌّ في شقه الغالب، يحمل في طواياه ثمرات تجربة جهادية معاصرة أخذت بالبدو منذ وقت قريب، وخلاصته تأصيل شرعي لمشروع الدولة المعلن من قبل مجلس شورى المجاهدين.

وجوب قيام الدولة المسلمة ...

أثر عن الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه (إن الله لَيَزَع بالسلطان ما لا يَزَعُ بالقرآن) [1] لعل هذه الكلمة أبلغ بيان للدور الذي تقوم به الدولة المسلمة في إنفاذ

(1) - لم أجده وإنما هو مشهور على الألسنة وقد ذكره كثير من السلف والخلف ومعناه صحيح

يقول الشيخ أبو بصير حفظه الله:

والأمة من ذلك الوقت إلى هذه الساعة لا تزال تقدم الشهيد تلو الشهيد من أبنائها ـ في سبيل الله ـ من أجل قيام خلافة راشدة تحتضن جميع المسلمين في جميع أصقاع الأرض، على اختلاف ألوانهم ولغاتهم وأوطانهم وأجناسهم، تعيش آلامهم وأحلامهم، يجدون فيها الكنف الذي يلوذون به من أخطار الأعداء المحيطة بهم من كل حدب وصوب ..

ولما لا يكون البذل والعطاء والجهاد، والسلعة هي"الخلافة الراشدة"التي لا قيام للدين وأحكامه على الوجه الأكمل إلا بها، ولا أمن ولا أمان للمسلمين ولديارهم من أعدائهم إلا بها، ولا رادع للظالمين وقاطعي الطريق إلا بها، لذا فقد أُثر عن الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه قال: إن الله ليزع ـ أي ليردع ـ بالسلطان مالا يزع بالقرآن. فالقرآن الكريم لا بد له من قوة وسلطان يحميه ويفرضه على الناس، ويرعاه ويتعاهد أحكامه وشرائعه .. فالقرآن وسيف السلطان يسيران جنبًا إلى جنب يؤيد بعضهما البعض، وأيهما يقصر عن الآخر فإن مسيرة الإسلام ـ لا محالة ـ سيعتريها الضعف والنكبات والانتكاسات.

قال صلى الله عليه وسلم:"إنما الإمام جُنَّةً يُقاتَلُ من ورائه، ويُتقى به"متفق عليه.

وعن أبي بكرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"السلطان ظل الله في الأرض فمن أكرمه أكرم الله، ومن أهانه أهانه الله". أخرجه ابن أبي عاصم في السنة، قال الشيخ ناصر في التخريج 1024: حديث حسن.

السلطان المسلم العادل ظل الله في الأرض؛ لأنه يسهر على تطبيق أحكامه وشرائعه في الأرض، وبه تُحفظ حرمات الدين، وتعلو راياته.

وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا إسلام بلا جماعة، ولا جماعة بلا إمارة، ولا إمارة بلا سمع وطاعة.

وهذه أمور متلازمة ومترابطة أحدها يستلزم ويشد الآخر ويؤدي إليه، لا قيام لها إلا بها.

لذا لا نجانب الحق والصواب إن قلنا أن العمل من أجل قيام خلافة راشدة هو من أعظم غايات هذا الدين وأجلِّها، وأنه لا يعلو قيام الخلافة الراشدة غاية ينهض إليها المسلمون إلا غاية التوحيد الذي لأجلها خلق الله الخلق، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب، وفي سبيلها ترخص جميع المقاصد، وكل غالٍ ونفيس.

فالخلافة، والسلطان، والدولة وغير ذلك من معاني الشوكة والقوة كلها تدخل كوسائل مباشرة وهامة من أجل تحقيق التوحيد في الأرض؛ من أجل أطر العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا وسجنها إلى سعة الآخرة وجنانها.

من هنا تأتي ضرورة وأهمية إعداد هذا البحث الذي أسميته"الطريق إلى استئناف حياة إسلامية وقيام خلافة راشدة، على ضوء الكتاب والسُّنَّة"، وبخاصة أن كثيرًا من العاملين في مجال الدعوة لهذا الدين قد أخطأوا وضلوا الطريق الشرعي الصحيح .. !

وقال ابن العربي في أحكام القرآن لابن العربي - (ج 3 / ص 356) :

إنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ خَلَقَ الْخَلْقَ فِي الْجِبِلَّةِ أَخْيَافًا يَتَقَاطَعُونَ تَدَابُرًا وَاخْتِلَافًا، وَيَتَنَافَسُونَ فِي لَفِّ الْحُطَامِ إسْرَافًا، لَا يَبْتَغُونَ فِيهِ إنْصَافًا، وَلَا يَاتَمِرُونَ فِيهِ بِرُشْدٍ اعْتِرَافًا، فَأَمَرَهُمْ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِالْخِلَافَةِ، وَجَعَلَ فِيهِمْ الْمَمْلَكَةَ، وَصَرَفَ أُمُورَهُمْ إلَى تَدْبِيرِ وَاحِدٍ يَزَعُهُمْ عَنْ التَّنَازُعِ، وَيَحْمِلُهُمْ عَلَى التَّأَلُّفِ مِنْ التَّقَاطُعِ، وَيَرْدَعُ الظَّالِمَ عَنْ الْمَظْلُومِ، وَيُقَرِّرُ كُلَّ يَدٍ عَلَى مَا تَسْتَوْلِي عَلَيْهِ حَقًّا، وَيَسُوسُهُمْ فِي أَحْوَالِهِمْ لُطْفًا وَرِفْقًا، وَأَوْقَعَ فِي قُلُوبِهِمْ صِدْقَ ذَلِكَ وَصَوَابَهُ، وَأَرَاهُمْ بِالْمُعَايَنَةِ وَالتَّجْرِبَةِ صَلَاحَ ذَلِكَ فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ وَمَآلِهِ، وَلَقَدْ يَزَعُ اللَّهُ بِالسُّلْطَانِ مَا لَا يَزَعُ بِالْقُرْآنِ، فَالرِّيَاسَةُ لِلسِّيَاسَةِ وَالْمُلْكُ لِنَفْيِ الْمُلْكِ، وَجَوْرُ السُّلْطَانِ عَامًا وَاحِدًا أَقَلُّ إذَايَةً مِنْ كَوْنِ النَّاسِ فَوْضَى لَحْظَةً وَاحِدَةً، فَأَنْشَأَ اللَّهُ الْخَلِيقَةَ لِهَذِهِ الْفَائِدَةِ وَالْمَصْلَحَةِ عَلَى الْمُلُوكِ وَالْخُلَفَاءِ، كُلَّمَا بَانَ خَلِيفَةٌ خَلَفَهُ آخَرُ، وَكُلَّمَا هَلَكَ مَلِكٌ مَلَكَ بَعْدَهُ غَيْرُهُ؛ لِيَسْتَتِبَّ بِهِ التَّدْبِيرُ، وَتَجْرِيَ عَلَى مُقْتَضَى رَايِهِ الْأُمُورُ، وَيَكُفَّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِهِ عَادِيَةَ الْجُمْهُورِ؛ فَإِذَا بَعَثَ نَبِيًّا سَخَّرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لَهُ الْمُلْكَ فِي وَقْتِهِ إنْ كَانَ ضَعِيفًا، فَكَانَ صَغْوُهُ إلَيْهِ وَعَوْنُهُ مَعَهُ، كَمَا فَعَلَ بِدَانْيَالَ وَأَمْثَالِهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت