مشروع الدولة الإسلامية بصفته واجب من الواجبات الإسلامية المناطة بأعناق المسلمين، وفرض كفائي متعلق بالذمة حتى يؤدى في الواقع على الوجه المطلوب شرعًا، يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالقاعدة الفقهية القائلة"الحكم على الشيء فرع عن تصوره"، فعند تعين واجب ما في ذمة المكلفين وقد التزموا أداءه وفقًا لمراد الشرع واتباعًا لمنهاجه وشريعته، يتوجب عليهم أن يفهموا حكم الله في هذا الواجب وأن يعوا حقيقته الشرعية المرادة وبعد هذا يعملوا على تطبيق هذا الفهم والعلم على أرض الواقع بصورة منهج عملي حركي يتمثل حقيقة ذلك العلم وموضوعه قال تعالى: {اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ} (3) سورة الأعراف، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3) } سورة الصف 0
وهو ما يعرف عند أهل العلم بمنهج العلم والعمل الذي سار عليه سلف الأمة في إقامة الدِّيْن وتحقيقه واقعًا وسلوكًا لا كلامًا وخطبًا، ولكن ينبغي أن يراعى عند تطبيقات العلم ونظرياته شروط العمل ومواصفاته التي تنضبط بقواعد الشرع الحنيف وتوزن بميزانه، ومن أهم تلك الشروط والمواصفات أن يكون الواقع موافقًا ومطابقًا لصورة الحكم الشرعي المراد تطبيقه، وهو ما يعرف عند أهل الأصول بتحقيق المناط، أي أنّ أيّ تكليف شرعي يهم المسلم في تطبيقه، ينبغي أن يعرض على ميزان الشرع للتحقق من صوابه أو خطئه عند ممارسته على أرض الواقع، ومشروع دولة العراق الإسلامية يأتي كتطبيق عملي لواجب هام من واجبات الشريعة، أتاحت له الظروف مجالًا رحبًا حسبما يراه أبناء الجهاد، وبات الواقع متهيئًا ومناسبًا لموضوعه وبرنامجه ليأخذ مكانه في ساحته، الانطلاقة التي اعتمدها المجاهدون في إعلانهم لدولتهم كانت مزيجًا مركبًا من حقائق شرعية مستمدة من الكتاب والسنة ورؤى واقعية وسياسية تتمخض عن ساحة التجربة والمراس، وفي هذا الفصل سنذكر الأدلة والدواعي التي تأسس عليها مشروع قيام الدولة المباركة استنادًا للتجربة الرائدة التي يخوضها المجاهدون على أرض العراق.
إن الدولة التي أقامها رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تحمل كل المواصفات التي ينظر لها على أنها من خصائص الدولة المعاصرة بكياناتها السياسية والإدارية والاقتصادية، فالدولة التي ينشدها الإسلام هي تلك التي تقيم الدِّيْن أولا قبل أي اعتبار آخر، وعلى رأس ذلك تحكيم الشريعة، الذي يأخذ بعين الاعتبار مضامين الأحكام وغاياتها ...
والدولة التي يطلبها الشرع هي دولة مرتكزة على عقيدة التوحيد، منبثقة عنها ....
تحكم بمقتضى الشرع في السياسة والعلاقات الخارجية، كما تحكم بمقتضى الشرع في النظم والسياسات الداخلية ...
لذا سنجد أن الدولة التي أقامها النبي صلى الله عليه وسلم تراعي أول ما تراعي حقوق الدِّيْن وواجباته وإن تعدى ذلك المصالح الدنيوية الأخرى المرعية في نظر الدول والحكومات والسياسات المعاصرة، وسنجد ذلك ماثلًا في سيرته صلى الله عليه وسلم .. !
قال ابن خلدون - رحمه الله:
"الخليفة لا يتميز عن سائر المسلمين إلاّ من حيث كونه منفِّذًا للأحكام وحارسًا للدين".