فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 133

يجوز الخروج عليه، وإن كان عليه إثم فإثمه على نفسه، والمسلمون منه برءاء قال صاحب كتاب الخلافة وسلطة الأمة: (ولكن هذه الأمة لم تكن خلافة حقيقة، بل ملك وسلطنة وتغلب ... وفي التغلب يكون القول للسيف والحكم للغالب ضرورة) [1] .

وقال: (وإطلاق اسم الإمامة على هؤلاء المتَغلِّبة وعلى الملوك والسلاطين مطلقًا باعتبار معناه الأعم) [2]

وقد بَيَّن الغزالي الحكمة في وجوب طاعته وإعطائه حكم الإمام فقال: (لو تعذر وجود الورع والعلم فمن يتصدى للإمامة، وكان في صرفه إثارة فتنة لا تطاق حكمنا بانعقاد إمامته، لأننا بين أن نحرِّك فتنة بالاستبدال، فما يلقى المسلمون منه من الضرر يزيد على ما يفوتهم من نقصان هذه الشروط التي أثبتت المزية المصلحة، فلا يهدم أصل المصلحة شغفًا بمزاياها كالذي يبني قصرًا ويهدم مصرًا، وبين أن نحكم بخلو البلاد من الإمام وبفساد الأقضية وذلك محال، ونحن نقضي بنفوذ قضاء أهل البغي في بلادهم لمسيس حاجتهم، فكيف لا نقضي بصحة الإمامة عند الحاجة والضرورة؟) [3]

من المهم لفت النظر إلى أن النصوص السابقة التي أوردناها عن أهل العلم في جواز حصول البيعة لمن تغلب بالقهر على بلد ما، كانت تتحدث عن صورة عامة معروفة عند تداول السلطة وانتقالها من خليفة إلى آخر وفي حال حصول نزاع معين على السلطة بين جهات إسلامية لا تتفق بينها على رأي واحد حول الإمام الذي ينبغي تنصيبه، فإذا ظهر عند ذلك من يحمل الأمة على طاعته ومبايعته لتظاهره بالقوة وجب اتباعه حسمًا للخلاف ودرأً للفتنة.

وفي الحالة العامة يتضح أن الطريقين الأوليين هما الأليق في الشرع لتنصيب الإمارة إن توفرت الظروف بوجود أهل الحل العقد وتمكنهم من الاختيار، أو بوجود إمام سابق يعهد لغيره، ولكنّ ثمة صورة أخرى تختلف عن سابقاتها، تتكشف في أوقات النكبات والأزمات القاسية حيث تفقد الأمة السلطة والقيادة وتصبح بلا سائس ولا مرشد، ويكون ذلك في الغالب عند استيلاء الأعداء على بلاد المسلمين ووقوعها تحت سلطتهم، فعند ذلك تتحول صفة الدار إلى الكفر الطارئ المتمثل بهيمنة العدو على الأرض وتسلطه عليها كما هو الحال عند تسلط الكفار الأصليين على البلاد كما حدث في فلسطين وأفغانستان والعراق أو بتسلط المرتدين كما هو واقع باقي بلاد المسلمين، وفي هذه الصورة تمتنع الشروط والأوصاف التي تلزم حال سلوك أحد الطريقين السابقين، لفقدان الإمامة أصلًا، ولعدم توافر الظرف على وجود معين لأهل الحل والعقد بصفتهم المشروطة أو لتأخرهم عن الحل والمبادرة مع تواجدهم الضعيف والمتفكك.

والأصح أن نقول إن الطائفة العاملة والناشطة في التغيير والتي تحمل لواء المنهاج الشرعي الصحيح وتجاهد في سبيل إقامة الدِّيْن وتحكيمه هي التي تستحق بالفعل

(1) - الخلافة وسلطة الأمة (ص27)

(2) - نفس المرجع (ص28)

(3) - إحياء علوم الدين (2/ 233) متن إتحاف السادة المتقين للزبيدي و الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة - (ج 1 / ص 75)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت