كلامهم يدور عن الطريقين الأوليين، أي حول طريق بيعة أهل الحل والعقد، وطريق العهد من إمام سابق، وأما الطريق الثالث فهو ليس جادة أصلية تطرق عند تنصيب الأمير وإقامة الدولة، ولكن صورتها تتأتى بمقتضى الحاجة ودواعيها التي تلح عليها الوقائع والأحداث، فيصبح هذا الطريق أي الإعلان بالمظاهرة والغلبة مما لا بد منه شرعًا، بل يتعين في كثير من الأحيان، والملابسات والوقائع التي شكلت إرهاصًا لقيام الدولة الإسلامية في العراق، ستكشف لنا المزيد لفهم هذه الحقيقة، حسبما يأتي بيانه.
نجد الكثير من أهل العلم نصُّوا على شرعية سلوك الطريق الثالث في أحوال الضرورة والأزمات، مراعاة لمصالح الدِّيْن الذي لا يقوم إلا بشوكة تنصره وتؤازره ولو من متفرد متظاهر بالقوة، وإلا عمت الفوضى والبلابل، لكثرة الآراء وتضارب الأهواء واختلاف المصالح، مما يجعل قيام الدولة أمرًا أبعد من نجوم السماء، وأصعب من ولوج الجمل في سم الخياط.
قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله [1] : (ومن غلب عليهم بالسيف حتى صار خليفة، وسمي أمير المؤمنين، فلا يحلّ لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر، أن يبيت ولا يراه إمامًا) وهذا الذي قاله الإمام أحمد نقل ابن بطال الإجماع عليه [2] .
وقال القرطبي في التفسير [3] :
فإن تغلب مَن له أهليّة الإمامة وأخذها بالقهر والغَلَبة فقد قيل إن ذلك يكون طريقًا رابعًا؛ وقد سُئل سهل بن عبد اللَّه التُّسْتَرِي: ما يجب علينا لمن غلب على بلادنا وهو إمام؟ قال: تجيبه وتؤدّي إليه ما يطالبك من حقه، ولا تنكر فعاله ولا تفرّ منه، وإذا ائتمنك على سِرّ من أمر الدِّين لم تُفْشه. وقال ابن خُوَيْزِ مَنْداد: ولو وثب على الأمر من يصلح له من غير مشورة ولا اختيار وبايع له الناس تمّت له البَيْعة، والله أعلم. انتهى.
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله [4] :
(الأئمة مجمعون من كل مذهب على أن من تغلَّب على بلد أو بلدان، له حكم الإمام في جميع الأشياء، ولولا هذا ما استقامت الدنيا، لأن الناس من زمن طويل قبل الإمام أحمد إلى يومنا هذا ما اجتمعوا على إمام واحد، ولا يعرفون أحدًا من العلماء ذكر أن شيئًا من الأحكام لا يصح إلا بالإمام الأعظم) .
ويلاحظ من كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: أنه يعتبر المتغلب حاكمًا تجب طاعته، لا إمامًا وخليفة للمسلمين، لأنه لم يستوف شروط الإمامة غالبًا، ولم تنعقد له من طريق شرعي، بل بالقوة والقهر والاستيلاء والغصب، والغصب حرام في الإسلام. فله حكم الإمام يطاع في طاعة الله ويجاهد معه ويصلى خلفه، ولا
(1) - الأحكام السلطانية لأبي يعلى (ص 23)
(2) - راجع فتح الباري (1/ 17)
(4) - الدرر السنية (7/ 239) . وممن ذهب إلى القول بالإجماع أيضًا الحافظ ابن حجر حيث قال: (وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه، وأن طاعته خير من الخروج عليه، لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء) . فتح الباري (13/ 7) . قلت: ولعلهما لم يعتبرا خلاف الخوارج والمعتزلة ومن معهم خارقًا للإجماع. وهو الصحيح.