صفة أهل الحل والعقد وقتها لأنها أحق الناس بوصف العدالة الدينية كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن صفات طائفة الحق في أوقات الغربة فعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ سَمِعْتُ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ «لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِى يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ - قَالَ - فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ -صلى الله عليه وسلم- فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ تَعَالَ صَلِّ لَنَا. فَيَقُولُ لاَ. إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ. تَكْرِمَةَ اللَّهِ هَذِهِ الأُمَّةَ» أخرجه مسلم برقم (412) ..
فعند ذلك يتعذر اجتياز الطريقين الأوليين كحل لقيام الدولة، ويتعين المضي في الطريق الذي يعالج واقع الحال ويستوفي حقوقه، موائمة للظرف الذي تعيشه الأمة من فقدان الخلافة والإمارة، وعدم توافر أهل الحل والعقد على القيام بمثل هذا المشروع المبارك، كما أن الإمام الذي يقوم بعهد الإمامة من بعده لشخص ما ليس موجود أصلًا، وعليه فصورة الواقع الحالي في بلدان المسلمين لا تتنزل في أغلب الأحيان على المسلكين الأوليين، إذ لا يعرف اجتماع وتوافر معين لأهل الحل والعقد إلا على ندرة من خيارهم وفضلائهم مع غياب الإمام العام، وفي مثل هذا الحال يُفرض حل الضرورة بتنصيب من تظاهر وغلب بقوته مراعاة للمصالح الهامة التي لا يمكن تأخيرها، ودفعًا للشرور والمفاسد المتأكد حصولها، ولعل أوضح بيان للفكرة السابقة، ما سطره الإمام الجويني في غياث الأمم، من نفيس العبارات، وهو يناقش صورة هذه الضرورة عند خلو الزمان عن الإمام، مع وجوب تنصيبه وإقامة الدولة في أسرع حال، يقول [1] :
"فإن لم يكن في الزمان من يستجمع صفات أهل الاختيار وكان الداعي إلى اتباعه على الكمال المرعى، فإذا استظهر بالقوى وتصدى للإمامة كان إمامًا حقًا وهو في حكم العاقد والمعقود له، والدليل على ذلك أن الافتقار إلى الإمام ظاهر والصالح للإمامة واحد وقد خلا الدهر عن أهل الحل والعقد فلا وجه لتعطيل الزمان عن وال يذب عن بيضة الإسلام ويحمي الحوزة وهذا مقطوع به لا يخفي دركه على من يحيط بقاعدة الإيالة".
وقال:"فإذا اتخذ في الدهر وتجرد في العصر من يصلح لهذا الشأن، فلا حاجة إلى تعيين من عاقد وبيان، والذي يوضح الحق في ذلك أن الأمر إذا تصور كذلك فحتم على من إليه الاختيار عند من يراه في هذه الصورة، أن يبايع ويتابع ويختار ويشايع، ولو امتنع لاستمرت الإمامة على الرغم منه، فلا معنى لاشتراط الاختيار وليس إلى من يفرض عاقدًا اختيار، فإذا تعين المتخذ في هذا الزمان، فهذا الشأن يغنيه عن تعيين وتنصيص يصدر من إنسان، وتمام الكلام في هذا المرام يستدعي ذكر أمر، وهو أن الرجل الفرد وان استغنى عن الاختيار والعقد فلا بد من أن يستظهر بالقوة والمنعة ويدعو الجماعة إلى بذل الطاعة، فإن فعل ذلك فهو الإمام على أهل الوفاق والاتباع وعلى أهل الشقاق والامتناع".
وقال:"ونحن نقول فيه إن قصر العاقدون وأخروا تقديم إمام وطالت الفترة وتمادت العسرة وانتشرت أطراف المملكة وظهرت دواعي الخلل، فتقدم صالح للإمامة داعيًا إلى نفسه محاولًا ضم النشر ورد ما ظهر من دواعي الغرر، فإذا استظهر بالعدة"
(1) - (1/ 231) و غياث الأمم في التياث الظلم - (ج 1 / ص 127)