إنه مفرق الطريق، الذي لا معدى عنده من الاختيار؛ ولا فائدة في المماحكة عنده ولا الجدال ..
إما إسلام وإما جاهلية. إما إيمان وإما كفر. إما حكم الله وإما حكم الجاهلية ..
والذين لا يحكمون بما أنزل الله هم الكافرون الظالمون الفاسقون. والذين لا يقبلون حكم الله من المحكومين ما هم بمؤمنين ..
إن هذه القضية يجب أن تكون واضحة وحاسمة في ضمير المسلم؛ وألا يتردد في تطبيقها على واقع الناس في زمانه؛ والتسليم بمقتضى هذه الحقيقة ونتيجة هذا التطبيق على الأعداء والأصدقاء!
وما لم يحسم ضمير المسلم في هذه القضية، فلن يستقيم له ميزان؛ ولن يتضح له منهج، ولن يفرق في ضميره بين الحق والباطل؛ ولن يخطو خطوة واحدة في الطريق الصحيح .. وإذا جاز أن تبقى هذه القضية غامضة أو مائعة في نفوس الجماهير من الناس؛ فما يجوز أن تبقى غامضة ولا مائعة في نفوس من يريدون أن يكونوا «المسلمين» وأن يحققوا لأنفسهم هذا الوصف العظيم .."، انتهى."
إن هذه القضية هي الأساس الذي يقوم عليه الدين:"السيادة للشرع"، فالله لم يُرسل الرسل، صلوات الله عليهم، إلا لتعبيد الناس لربهم، تعبيدهم بالمفهوم الذي يريده الله عز وجل، لا المفهوم الذي تريد الجاهلية فرضه، ذلك أن العبادة في حقيقتها خضوع لله سبحانه في الشعائر والشرائع، وتوحيد لله سبحانه في الأوامر والنواهي كما هي توحيد له سبحانه في الوجود والخالقية.
فالعبادة هي"اسم جامع لكل ما يُحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة". والشرع لم يأتِ إلاّ لحمل الناس من اتباع مقتضى الهوى إلى اتباع مقتضى الشرع.
ولذلك كله كان لا بد - شرعًا وعقلاُ- مِنْ نَصْبِ حاكمٍ يُحقق هذا المبدأ المهم في الأرض، ويحمل الكافّة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأُخروية والدنيوية الراجعة إليها.
وفائدة هذا أن يُعلم أن أيّ نظام لا يقوم على أساس الإسلام، فلا قيمة له ولاحرمة في الشرع، حتى لو كان يقبع على قِمة هَرَمِه أتقى الخلق وأعلمهم وأعدلهم.
وليكن معلومًا أنّ هذا الواقع المُتَمثِّل بتحييد شرع الله تبارك وتعالى واستبداله بشرع غيره، أمرٌ لم تعهده الأمة الإسلامية من قبل، ولم يتصوره الأئمة في العصور السالفة، ولذلك لم يرد في كلامهم.
لقد عرف تاريخنا حكامًا مُتسلطين فجرة فسقة ظالمين، لكنه لم يعرف حكومة نَحّت شرع الله جانبًا، واستبدلته بشريعة أخرى، ولعل الحالة التي مرّت بها الأمة زمن التتار الذين فرضوا على الأمة شرعية"الياسق"