فهرس الكتاب

الصفحة 84 من 133

ثم أن نتغاضى عن بعض الباطل بل قد نؤيده ونعلي مناره، ثم لا بد من الانفصال في نهاية المطاف لأنه سيكون أشبه برجل يتزوج امرأة وكل منهما طامع في ثروة الآخر، وطامع في أن يرث ماله فكيف تتصور الحياة الزوجية؟ لا شك أن كلًا منهما سيكذب على الآخر، ويحاول خيانته في ماله، ويتمنى موته قبل نفسه، وقد يقتله إن سمحت له الظروف لينفرد بتركته، وهذا ما يحدث غالبًا في اتحاد الأحزاب الإسلامية مع غيرها من الأحزاب التي تقدم على عقيدة مضادة للإسلام، فهي تريد أن تنشر الكفر لتعيش وتبقى ويبقى جمهورها، والإسلاميون حريصون على نشر الإسلام لتتوسع قاعدتهم، وكل منهم يحاول خداع الآخر وسبقه، ولا بد وأن يأتي الانفصام، وكثير ما يُستغل المسلمون، ويكونون مطية لهؤلاء المخادعين لأن أهل الأحزاب الأرضية الكافرة أقدر على الكذب والمناورة، واللف والدوران، والغاية عندهم تبرر كل وسيلة ولو كانت خسيسة دنيئة، والخيانة تجري في دمائهم باسم السياسة، ولذلك فالحذر أن نرفع مع راية التوحيد راية أخرى للشرك والكفر والوثنية والإلحاد، أو أن نكون مطايا لأهل الباطل ليصلوا إلى باطلهم وزورهم. [1]

(1) - يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في مواضع من الظلال موضحا هذه الحقيقة:

يكشف الله لرسوله صلى الله عليه وسلم عن حقيقة حالهم، وحقيقة مشاعرهم، وهم يخاصمونه ويجادلونه في الحق الذي معه، ويرمونه بما يرمونه. وهم مزعزعو العقيدة فيما لديهم من تصورات الجاهلية، التي يتظاهرون بالتصميم عليها. إنهم على استعداد للتخلي عن الكثير منها في مقابل أن يتخلى هو عن بعض ما يدعوهم إليه! على استعداد أن يدهنوا ويلينوا ويحافظوا فقط على ظاهر الأمر لكي يدهن هو لهم ويلين .. فهم ليسوا أصحاب عقيدة يؤمنون بأنها الحق، وإنما هم أصحاب ظواهر يهمهم أن يستروها: {فلا تطع المكذبين. ودوا لو تدهن فيدهنون} ..

فهي المساومة إذن، والالتقاء في منتصف الطريق. كما يفعلون في التجارة. وفرق بين الاعتقاد والتجارة كبير! فصاحب العقيدة لا يتخلى عن شيء منها؛ لأن الصغير منها كالكبير. بل ليس في العقيدة صغير وكبير. إنها حقيقة واحدة متكاملة الأجزاء. لا يطيع فيها صاحبها أحدًا، ولا يتخلى عن شيء منها أبدًا.

وما كان يمكن أن يلتقي الإسلام والجاهلية في منتصف الطريق، ولا أن يلتقيا في أي طريق. وذلك حال الإسلام مع الجاهلية في كل زمان ومكان. جاهلية الأمس وجاهلية اليوم، وجاهلية الغد كلها سواء. إن الهوة بينها وبين الإسلام لا تعبر، ولا تقام عليها قنطرة، ولا تقبل قسمة ولا صلة. وإنما هو النضال الكامل الذي يستحيل فيه التوفيق!

ولقد وردت روايات شتى فيما كان يدهن به المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم ليدهن لهم ويلين؛ ويترك سب آلهتهم وتسفيه عبادتهم، أو يتابعهم في شيء مما هم عليه ليتابعوه في دينه، وهم حافظون ماء وجوههم أمام جماهير العرب! على عادة المساومين الباحثين عن أنصاف الحلول! ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم كان حاسمًا في موقفه من دينه، لا يدهن فيه ولا يلين. وهو فيما عدا الدين ألين الخلق جانبًا وأحسنهم معاملة وأبرهم بعشيرة وأحرصهم على اليسر والتيسير. فأما الدين فهو الدين! وهو فيه عند توجيه ربه: {فلا تطع المكذبين} !

ولم يساوم صلى الله عليه وسلم في دينه وهو في أحرج المواقف العصبية في مكة. وهو محاصر بدعوته. وأصحابه القلائل يتخطفون ويعذبون ويؤذون في الله أشد الإيذاء وهم صابرون. ولم يسكت عن كلمة واحدة ينبغي أن تقال في وجوه الأقوياء المتجبرين، تأليفًا لقلوبهم، أو دفعًا لأذاهم. ولم يسكت كذلك عن إيضاح حقيقة تمس العقيدة من قريب أو من بعيد ..

روى ابن هشام في السيرة عن ابن إسحاق قال:

«فلما بادى رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه بالإسلام. وصدع به كما أمره الله، لم يبعد منه قومه ولم يردوا عليه فيما بلغني حتى ذكر آلهتهم وعابها. فلما فعل ذلك أعظموه وناكروه، وأجمعوا خلافه وعداوته إلا من عصم الله تعالى منهم بالإسلام وهم قليل مستخفون وحدب على رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه أبو طالب ومنعه، وقام دونه، ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر الله مظهرًا لأمره، لا يرده عنه شيء» .

«فلما رأت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعتبهم من شيء أنكروه عليه من فراقهم وعيب آلهتهم، ورأوا أن عمه أبا طالب قد حدب عليه وقام دونه فلم يسلمه لهم، مشى رجال من أشراف قريش إلى أبي طالب .. عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو سفيان بن حرب بن أمية. وأبو البختري واسمه العاص بن هشام. والأسود بن المطلب بن أسد. وأبو جهل (واسمه عمرو بن هشام وكان يكنى ابا الحكم) والوليد بن المغيرة، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج بن عامر .. أو من مشى منهم .. فقالوا: يا أبا طالب. إن ابن اخيك قد سب آلهتنا، وعاب ديننا، وسفه أحلامنا، وضلل آباءنا، فإما أن تكفه عنا وإما أن تخلي بيننا وبينه، فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه؛ فنكفيكه! فقال لهم أبو طالب قولًا وفيقًا، وردهم ردًا جميلًا، فانصرفوا عنه.

» ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما هو عليه: يظهر دين الله، ويدعو إليه. ثم شري الأمر بينه وبينهم حتى تباعدوا وتضاغنوا، وأكثرت قريش ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم وتذامروا فيه. وحض بعضهم بعضًا عليه. ثم إنهم مشوا إلى أبي طالب مرة أخرى. فقالوا له: يا أبا طالب، إن لك سنًا وشرفًا ومنزلة فينا. وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا؛ وإنا والله لا نصبر على هذا: من شتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا، حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين أو كما قالوا له .. ثم انصرفوا عنه. فعظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم، ولم يطب نفسًا بإسلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم ولا خذلانه. قال ابن إسحق: وحدثني يعقوب بن عقبة بن المغيرة بن الأخنس، أنه حدّث، أن قريشًا حين قالوا لأبي طالب هذه المقالة بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: يا بن أخي. إن قومك قد جاءوني فقالوا لي: كذا وكذا (للذي كانوا قالوا له) فأبق عليَّ وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق. قال: فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد بدا لعمه فيه بداء، وأنه خاذله ومسلمه وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته» . قال: واستعبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكى.

ثم قام. فلما ولى ناداه أبو طالب فقال: أقبل يا بن أخي. قال: فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: اذهب يا بن أخي فقل ما أحببت، فوالله لا أسلمك لشيء أبدًا «.

فهذه صورة من إصرار النبي صلى الله عليه وسلم على دعوته في اللحظة التي تخلى عنه فيها عمه. حاميه وكافيه، وآخر حصن من حصون الأرض يمنعه المتربصين به المتذامرين فيه!

هذه هي صورة قوية رائعة جديدة في نوعها من حيث حقيقتها، ومن حيث صورها وظلالها ومن حيث عباراتها وألفاظها .. جديدة جدة هذه العقيدة، رائعة روعة هذه العقيدة، قوية قوة هذه العقيدة. فيها مصداق قول الله العظيم: {وإنك لعلى خلق عظيم} ..

وصورة أخرى رواها كذلك ابن اسحق، كانت في مساومة مباشرة من المشركين لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد إذ أعياهم أمره، ووثبت كل قبيلة على من أسلم منها تعذبه وتفتنه عن دينه.

قال ابن إسحق: وحدثني يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي، قال: حدثت أن عتبة بن ربيعة وكان سيدًا، قال يومًا وهو جالس في نادي قريش، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحده:» يا معشر قريش. ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورًا لعله يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء ويكف عنا؟ وذلك حين أسلم حمزة، ورأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيدون ويكثرون. فقالوا: يا أبا الوليد قم إليه فكلمه. فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا بن أخي. إنك منا حيث علمت: من السطة في العشيرة والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفرت به من مضى من آبائهم. فاسمع مني أعرض عليك أمورًا تنظر فيها، لعلك تقبل منها بعضها. قال: فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قل يا أبا الوليد أسمع» . قال: يا بن أخي. إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا. وإن كنت إنما تريد به شرفًا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرًا دونك. وإن كنت تريد به ملكًا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيًا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوي منه! أو كما قال له حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستمع منه قال: «أقد فرغت يا أبا الوليد؟» قال: نعم. قال: «فاستمع مني» . قال: أفعل. فقال: {بسم الله الرحمن الرحيم. حم. تنزيل من الرحمن الرحيم. كتاب فصلت آياته قرآنًا عربيًا لقوم يعلمون. بشيرًا ونذيرًا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون؟ وقالوا: قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه، وفي آذاننا وقر، ومن بيننا وبينك حجاب، فاعمل إننا عاملون. قل: إنمآ أنا بشر مثلكم يوحى إليّ أنمآ إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين ... } ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها يقرؤها عليه. فلما سمعها منه عتبة أنصت لها. وألقى يديه خلف ظهره معتمدًا عليها يسمع منه. ثم انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة منها فسجد. ثم قال. «قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت. فأنت وذاك» .. فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به. فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أنني سمعت قولًا والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر، ولا بالسحر، ولا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعوني، واجعلوها بي، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه، فاعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم. فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم. وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به. قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه. قال: هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم .. «

وفي رواية أخرى أن عتبة استمع حتى جاء الرسول صلى الله عليه وسلم إلى قوله تعالى: {فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود} فقام مذعورًا فوضع يده على فم رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أنشدك الله والرحم يا محمد! وذلك مخافة أن يقع النذير. وقام إلى القوم فقال ما قال!

وعلى أية حال فهذه صورة أخرى من صور المساومة. وهي كذلك صورة من صور الخلق العظيم. تبدو في أدبه صلى الله عليه وسلم وهو يستمع إلى عتبة حتى يفرغ من قوله الفارغ الذي لا يستحق الانتباه من مثل محمد صلى الله عليه وسلم في تصوره لقيم هذا الكون، وفي ميزانه للحق ولعرض هذه الأرض. ولكن خلقه يمسك به لا يقاطع ولا يتعجل ولا يغضب ولا يضجر، حتى يفرغ الرجل من مقالته، وهو مقبل عليه. ثم يقول في هدوء: «أقد فرغت يا أبا الوليد؟» زيادة في الإملاء والتوكيد. إنها الطمأنينة الصادقة للحق مع الأدب الرفيع في الاستماع والحديث.

وهما معًا بعض دلالة الخلق العظيم.

وصورة ثالثة للمساومة فيما رواه ابن اسحق قال: «واعترض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يطوف بالكعبة فيما بلغني الأسود بن المطلب بن أسد ابن عبد العزى والوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل السهمي. وكانوا ذوي أسنان في قومهم. فقالوا: يا محمد، هلم فلنعبد ما تعبد، وتعبد ما نعبد، فنشترك نحن وأنت في الأمر. فإن كان الذي تعبد خيرًا مما نعبد كنا قد أخذنا بحظنا منه، وإن كان ما نعبد خيرًا مما تعبد كنت قد أخذت بحظك منه! فأنزل الله تعالى فيهم: {قل: يا أيها الكافرون. لا أعبد ما تعبدون} السورة كلها ..

وحسم الله المساومة المضحكة بهذه المفاصلة الجازمة. وقال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم ما أمره ربه أن يقول ..

لقد كانوا يدركون أن هذه العقيدة تعني منهجًا يحطم كل أساس الجاهلية التي تقوم عليها أوضاعهم ومصالحهم ومراكزهم. وأن طبيعة هذا المنهج لا تقبل مثنوية ولا تلتئم مع عنصر أرضي غير منبثق من عنصرها السماوي؛ وأنها تهدد كل المقومات الأرضية الهابطة التي تقوم عليها الجاهلية .. ومن ثم شنوا عليها تلك الحرب التي لم تضع أوزارها لا قبل الهجرة ولا بعدها. الحرب التي تمثل الدفاع عن أوضاعهم كلها في وجه الأوضاع الإسلامية. لا مجرد الاعتقاد والتصور المجردين ..

والذين يحاربون سيطرة المنهج الإسلامي على حياة البشر في كل جيل وفي كل أرض يدركون هذه الحقيقة. يدركونها جيدًا. ويعلمون أن أوضاعهم الباطلة، ومصالحهم المغتصبة، وكيانهم الزائف.

وسلوكهم المنحرف .. هذه كلها هي التي يهددها المنهج الإسلامي القويم الكريم!

والطغاة البغاة الظلمة المطففون في أية صورة من صور التطفيف في المال أو في سائر الحقوق والواجبات هم الذين يشفقون أكثر من غيرهم من سيطرة ذلك المنهج العادل النظيف! الذي لا يقبل المساومة، ولا المداهنة، ولا أنصاف الحلول؟

ولقد أدرك ذلك الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من نقباء الأوس والخزرج بيعة العقبة الثانية قبل الهجرة: قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن القوم لما اجتمعوا لبيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال العباس بن عبادة بن نضلة الأنصاري أخو بني سالم بن عوف: يا معشر الخزرج. هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟ قالوا: نعم. قال: إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس. فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة وأشرافكم قتل أسلمتموه فمن الآن! فهو والله إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة. وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، على نهكة الأموال وقتل الأشراف فخذوه، فهو والله خير الدنيا والآخرة، قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف. فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا؟ قال: «الجنة» . قالوا: ابسط يدك. فبسط يده فبايعوه.

فقد أدرك هؤلاء كما أدرك كبراء قريش من قبل طبيعة هذا الدين. وأنه قائم كحد السيف للعدل والنصفة وإقامة حياة الناس على ذلك، لا يقبل من طاغية طغيانًا، ولا من باغ بغيًا، ولا من متكبر كبرًا. ولا يقبل للناس الغبن والخسف والاستغلال. ومن ثم يحاربه كل طاغ باغ متكبر مستغل؛ ويقف لدعوته ولدعاته بالمرصاد.

إن مقاييس الله غير مقاييس البشر. ولكن البشر ينخدعون ويغترون فيحسبون مقاييسهم هي التي تقرر حقائق الأمور! وأمامنا هذا المثل الناطق الخالد .. فأين الذين كانوا يقولون عن محمد صلى الله عليه وسلم قولتهم اللئيمة، وينالون بها من قلوب الجماهير، ويحسبون حينئذ أنهم قد قضوا على محمد وقطعوا عليه الطريق؟ أين هم؟ وأين ذكراهم، وأين آثارهم؟ إلى جوار الكوثر من كل شيء، ذلك الذي أوتيه من كانوا يقولون عنه: الأبتر؟!

إن الدعوة إلى الله والحق والخير لا يمكن أن تكون بتراء ولا أن يكون صاحبها أبتر، وكيف وهي موصولة بالله الحي الباقي الأزلي الخالد؟ إنما يبتر الكفر والباطل والشر ويبتر أهله، مهما بدا في لحظة من اللحظات أنه طويل ممتد الجذور ..

وصدق الله العظيم. وكذب الكائدون الماكرون .. لم يكن العرب يجحدون الله ولكن كانوا لا يعرفونه بحقيقته التي وصف بها نفسه. أحد. صمد. فكانوا يشركون به ولا يقدرونه حق قدره، ولا يعبدونه حق عبادته. كانوا يشركون به هذه الأصنام التي يرمزون بها إلى أسلافهم من الصالحين أو العظماء. أو يرمزون بها إلى الملائكة .. وكانوا يزعمون أن الملائكة بنات الله، وأن بينه سبحانه وبين الجنة نسبًا، أو ينسون هذا الرمز ويعبدون هذه الآلهة، وفي هذه الحالة أو تلك كانوا يتخذونها لتقربهم من الله كما حكى عنهم القرآن الكريم في سورة الزمر قولهم: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} ولقد حكى القرآن عنهم أنهم كانوا يعترفون بخلق الله والسماوات والأرض، وتسخيره للشمس والقمر، وإنزاله الماء من السماء كالذي جاء في سورة العنكبوت: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله} {ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله} وفي إيمانهم كانوا يقولون: والله وتالله. وفي دعائهم كانوا يقولون: اللهم .. الخ.

ولكنهم مع إيمانهم بالله كان هذا الشرك يفسد عليهم تصورهم كما كان يفسد عليهم تقاليدهم وشعائرهم، فيجعلون للآلهة المدعاة نصيبًا في زرعهم وأنعامهم ونصيبًا في أولادهم. حتى ليقتضي هذا النصيب أحيانًا التضحية بأبنائهم. وفي هذا يقول القرآن الكريم عنهم في سورة الأنعام. {وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبًا. فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا. فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله. وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم. ساء ما يحكمون! وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم، وليلبسوا عليهم دينهم، ولو شاء الله ما فعلوه، فذرهم وما يفترون. وقالوا: هذه أنعام وحرث حِجر لا يطعمها إلا من نشأ بزعمهم وأنعام حرمت ظهورها، وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه. سيجزيهم بما كانوا يفترون، وقالوا: ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا، ومحرم على أزواجنا، وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء. سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم. قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهًا بغير علم. وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله. قد ضلوا وما كانوا مهتدين} وكانوا يعتقدون أنهم على دين إبراهيم، وأنهم أهدى من أهل الكتاب، الذين كانوا يعيشون معهم في الجزيرة العربية، لأن اليهود كانوا يقولون: عزير ابن الله. والنصارى كانوا يقولون: عيسى ابن الله. بينما هم كانوا يعبدون الملائكة والجن على اعتبار قرابتهم من الله بزعمهم فكانوا يعدون أنفسهم أهدى. لأن نسبة الملائكة إلى الله ونسبة الجن كذلك أقرب من نسبة عزير وعيسى .. وكله شرك. وليس في الشرك خيار. ولكنهم هم كانوا يحسبون أنفسهم أهدى وأقوم طريقًا!

فلما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم يقول: إن دينه هو دين إبراهيم عليه السلام قالوا: نحن على دين إبراهيم فما حاجتنا إذن إلى ترك ما نحن عليه واتباع محمد؟! وفي الوقت ذاته راحوا يحاولون مع الرسول صلى الله عليه وسلم خطة وسطا بينهم وبينه؛ وعرضوا عليه أن يسجد لآلهتهم مقابل أن يسجدوا هم لإلهه! وأن يسكت عن عيب آلهتهم وعبادتهم، وله فيهم وعليهم ما يشترط!

ولعل اختلاط تصوراتهم، واعترافهم بالله مع عبادة آلهة أخرى معه .. لعل هذا كان يشعرهم أن المسافة بينهم وبين محمد قريبة، يمكن التفاهم عليها، بقسمة البلد بلدين، والالتقاء في منتصف الطريق، مع بعض الترضيات الشخصية!

ولحسم هذه الشبهة، وقطع الطريق على المحاولة، والمفاصلة الحاسمة بين عبادة وعبادة، ومنهج ومنهج، وتصور وتصور، وطريق وطريق .. نزلت هذه السورة. بهذا الجزم. وبهذا التوكيد. وبهذا التكرار. لتنهي كل قول، وتقطع كل مساومة وتفرق نهائيًا بين التوحيد والشرك، وتقيم المعالم واضحة، لا تقبل المساومة والجدل في قليل ولا كثير: {قل يا أيها الكافرون. لا أعبد ما تعبدون، ولا أنتم عابدون ما أعبد، ولا أنا عابد ما عبدتم، ولا أنتم عابدون ما أعبد. لكم دينكم ولي دين} . نفي بعد نفي. وجزم بعد جزم. وتوكيد بعد توكيد. بكل أساليب النفي والجزم والتوكيد ..

{قل} .. فهو الأمر الإلهي الحاسم الموحي بأن أمر هذه العقيدة أمر الله وحده. ليس لمحمد فيه شيء. إنما هو الله الآمر الذي لا مرد لأمره، الحاكم لا راد لحكمه.

{قل يا أيها الكافرون} .. ناداهم بحقيقتهم، ووصفهم بصفتهم .. إنهم ليسوا على دين، وليسوا بمؤمنين وإنما هم كافرون. فلا التقاء إذن بينك وبينهم في طريق .. وهكذا يوحي مطلع السورة وافتتاح الخطاب، بحقيقة الانفصال الذي لا يرجى معه اتصال!

{لا أعبد ما تعبدون} .. فعبادتي غير عبادتكم، ومعبودي غير معبودكم ..

{ولا أنتم عابدون ما أعبد} فعبادتكم غير عبادتي، ومعبودكم غير معبودي.

{ولا أنا عابد ما عبدتم} .. توكيد للفقرة الأولى في صيغة الجملة الاسمية وهي أدل على ثبات الصفة واستمرارها.

{ولا أنتم عابدون ما أعبد} .. تكرار لتوكيد الفقرة الثانية. كي لا تبقي مظنة ولا شبهة، ولا مجال لمظنة أو شبهة بعد هذا التوكيد المكرر بكل وسائل التكرار والتوكيد!

ثم إجمال لحقيقة الافتراق الذي لا التقاء فيه. والاختلاف الذي لا تشابه فيه، والانفصال الذي لا اتصال فيه، والتمييز الذي لا اختلاط فيه: {لكم دينكم ولي دين} .. أنا هنا وأنتم هناك، ولا معبر ولا جسر ولا طريق!!!

مفاصلة كاملة شاملة، وتميز واضح دقيق .. ولقد كانت هذه المفاصلة ضرورية لإيضاح معالم الاختلاف الجوهري الكامل، الذي يستحيل معه اللقاء على شيء في منتصف الطريق. الاختلاف في جوهر الاعتقاد، وأصل التصور، وحقيقة المنهج، وطبيعة الطريق.

إن التوحيد منهج، والشرك منهج آخر .. ولا يلتقيان .. التوحيد منهج يتجه بالإنسان مع الوجود كله إلى الله وحده لا شريك له. ويحدد الجهة التي يتلقى منها الإنسان، عقيدته وشريعته، وقيمه وموازينه، وآدابه وأخلاقه، وتصوراته كلها عن الحياة وعن الوجود. هذه الجهة التي يتلقى المؤمن عنها هي الله، الله وحده بلا شريك. ومن ثم تقوم الحياة كلها على هذا الأساس. غير متلبسة بالشرك في أية صورة من صوره الظاهرة والخفية .. وهي تسير .. وهذه المفاصلة بهذا الوضوح ضرورية للداعية. وضرورية للمدعوين ..

إن تصورات الجاهلية تتلبس بتصورات الإيمان. وبخاصة في الجماعات التي عرفت العقيدة من قبل ثم انحرفت عنها. وهذه الجماعات هي أعصى الجماعات على الإيمان في صورته المجردة من الغبش والالتواء والانحراف. أعصى من الجماعات التي لا تعرف العقيدة أصلًا. ذلك أنها تظن بنفسها الهدى في الوقت الذي تتعقد انحرافاتها وتتلوى! واختلاط عقائدها وأعمالها وخلط الصالح بالفاسد فيها، قد يغري الداعية نفسه بالأمل في اجتذابها إذا أقر الجانب الصالح وحاول تعديل الجانب الفاسد .. وهذا الإغراء في منتهى الخطورة!

إن الجاهلية جاهلية. والإسلام إسلام. والفارق بينهما بعيد. والسبيل هو الخروج عن الجاهلية بجملتها إلى الإسلام بجملته. هو الانسلاخ من الجاهلية بكل ما فيها والهجرة إلى الإسلام بكل ما فيه.

وأول خطوة في الطريق هي تميز الداعية وشعوره بالانعزال التام عن الجاهلية: تصورًا ومنهجًا وعملًا. الانعزال الذي لا يسمح بالالتقاء في منتصف الطريق. والانفصال الذي يستحيل معه التعاون إلا إذا انتقل أهل الجاهلية من جاهليتهم بكليتهم إلى الإسلام.

لا ترقيع. ولا أنصاف حلول. ولا التقاء في منتصف الطريق .. مهما تزيت الجاهلية بزي الإسلام، أو ادعت هذا العنوان!

وتميز هذه الصورة في شعور الداعية هو حجر الأساس. شعوره بأنه شيء آخر غير هؤلاء. لهم دينهم وله دينه، لهم طريقهم وله طريقه. لا يملك أن يسايرهم خطوة واحدة في طريقهم. ووظيفته أن يسيرهم في طريقه هو، بلا مداهنة ولا نزول عن قليل من دينه أو كثير!

وإلا فهي البراءة الكاملة، والمفاصلة التامة، والحسم الصريح .. {لكم دينكم ولي دين} ..

وما أحوج الداعين إلى الإسلام اليوم إلى هذه البراءة وهذه المفاصلة وهذا الحسم .. ما أحوجهم إلى الشعور بأنهم ينشئون الإسلام من جديد في بيئة جاهلية منحرفة، وفي أناس سبق لهم أن عرفوا العقيدة، ثم طال عليهم الأمد {فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون} وأنه ليس هناك أنصاف حلول، ولا التقاء في منتصف الطريق، ولا إصلاح عيوب، ولا ترقيع مناهج .. إنما هي الدعوة إلى الإسلام كالدعوة إليه أول ما كان، الدعوة بين الجاهلية. والتميز الكامل عن الجاهلية .. {لكم دينكم ولي دين} .. وهذا هو ديني: التوحيد الخالص الذي يتلقى تصوراته وقيمه، وعقيدته وشريعته .. كلها من الله .. دون شريك .. كلها .. في كل نواحي الحياة والسلوك.

وبغير هذه المفاصلة. سيبقى الغبش وتبقى المداهنة ويبقى اللبس ويبقى الترقيع .. والدعوة إلى الإسلام لا تقوم على هذه الأسس المدخولة الواهنة الضعيفة. إنها لا تقوم إلا على الحسم والصراحة والشجاعة والوضوح ..

وهذا هو طريق الدعوة الأول: {لكم دينكم ولي دين} ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت