فهرس الكتاب

الصفحة 99 من 133

الحرب تفترق عن أحكام السلم، ومع هذا فقد سار المجاهدون على نفس الخط الذي رسموه في مساعدة الأهالي وتحقيق الأمن بالقدر الممكن وجهدوا في ملاحقة الجريمة والظلم، حتى بات الناس يطلبون المجاهدين للفصل في قضاياهم والحكم فيها، والاحتماء بهم عند التخوف من ضرر، مما حدا بالمجاهدين أن يعقدوا مجالس القضاء وفصل الأحكام، مما وسع انتشارهم ورفع ذكرهم بين الناس فكان توطيدًا لسلطانهم ونفوذهم على الأرض كما هو ظاهر، وهو خطة نحو الأمن المنشود لا العكس، ولدعم هذه الخطة والشد من أزرها كان لزامًا تحديد المسار باتجاه الدولة الإسلامية التي ستؤمن مظلة كبيرة وشرعية، لأعمال المجاهدين ومشاريعهم في هذا المجال، كيف لا وهم يحكمون بين الناس ويقضون لهم عن قوة وسلطان ألا يعدُّ هذا تمكينًا؟ وإن لم يكن فما هو التمكين؟

وأما أننا مازلنا نتعرض للهجوم والضرب المتكرر من قبل العدو، فهذا من فضل الله علينا أننا ما أعطينا الدنية في ديننا، ومازالت أقدامنا ثابتة على هذا الدرب مع اشتداد خطوبه وأيامه، وما زادنا الأمر إلا ثباتًا واطمئنانًا، فشرعنا بهذا الإعلان المبارك لعلمنا أن حالة الحرب هي حالة طبيعية في حياة الدولة الإسلامية سواء في بداية نشوئها أو قبلها أو بعدها فالأمر كله سواء، فخصومها لن يتركوها وشأنها كما تخبرنا دروس التاريخ ومؤشرات اليوم، وقد قدمنا بين يديك لفتة طيبة من كلام أبي العالية رحمه الله توضح كيف كان الصحابة في أيامهم الأولى في المدينة يخافون ولا يأمنون وهم يحملون السلاح، وحالنا طموح أن يتشبه بحالهم إن لم نستطع أن نكون مثلهم، وقد تعرضت مدينة النبي صلى الله عليه وسلم للغزو كما في أحد، وللحصار والتضييق كما في غزوة الخندق، وللسلب والاعتداءات من سرايا المشركين، وللاضطرابات وصناعة المؤامرات من داخلها كما فعل المنافقون واليهود مرارًا، ولم يرفع ذلك عنها وصف الدولة والسيادة، بل لم تكن لتخرج من رحم هذا الواقع الجاهلي الشائك والوعر إلا بسلوك هذا الطريق واجتيازه بأثقال الصبر والمصابرة.

ونقول أيضًا أنه بالنظر العام على ما تتحقق به الهيئة الاجتماعية لمفهوم الدولة في الفقه نرى أن المباحث المتعلقة بها من جنس العلة المنضبطة لا الحكمة المضطربه و الفرق بينهما مقرر عند محققي علم الأصول ولذا فإن الشارع أشار إلى هذا وهو إناطة الحكم بالمعنى المنضبط لا المشوش المضطرب فعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ «لا يَزَالُ هَذَا الأَمْرُ فِى قُرَيْشٍ، مَا بَقِىَ مِنْهُمُ اثْنَانِ» أخرجه البخاري برقم (3501) .

وعند مسلم برقم (4807) «لاَ يَزَالُ هَذَا الأَمْرُ فِى قُرَيْشٍ مَا بَقِىَ مِنَ النَّاسِ اثْنَانِ» .

فالقرشية وصف منضبط أكد عليه الشارع بخلاف العدد و المنعة والتمكين وإمكان الانحياز فإنها مما يحصل شيئًا فشيئًا بل أكد على عدم إناطة الحكم بالعلة المشوشة بقوله"مابقي من الناس اثنان"فما تحصل به الشوكة التي تتحقق بها الإمامة والخلافة تكفي في قيامها ولو لم تكن تامة، فالقول بأن الشارع وضع حدًا لذالك وأناط الحكم به و التعلق به و الدوران معه يقرب أن يكون من التكليف بما لا يطاق إذ فهوم المكلفين تختلف في معنى الشوكة و المنعة ثم إن الشوكة و المنعة في حالنا اليوم هي كافية في تنصيب الإمام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت