مع العلم أن كثيرًا مما أوضحناه في فصلنا السابق لا يعدو أن يكون من جملة الحقائق الناصعة المنتشرة في شرق العراق وغربه لا ينكرها إلا أصحاب العيون الشلاء، ولا يجادل فيها إلا كلٌ مماحكٍ مشاغبٍ أرمدٍ سقيمٍ، يصدق فيه قول من قال:
قد تُنكِرُ العينُ ضَوءَ الشمس من رَمَدٍ ويُنكِرُ الفمُ طعم الماء من سقم [1]
ومع هذا يتسع صدرنا لما قد يقال ويدار، حول أمر ندَّ في جلالته وهيبته، والخوض فيه وإن كان أصعب من قطع الفيافي والقفار، واعتلاء الجلاميد الصماء، فهو مما لا بد منه، والواقع والأحداث لا تمهل أحدًا، والتاريخ لا يفتح بابه إلا لمن قرعه، والعدو لا يرحم، والحساد على الطرق والمفارق، والبيان واجبٌ شرعيُّ وميثاقٌ ربانيٌّ لا مفرَّ من تحمله، ولا نجاة في التفريط في أمانته قال تعالى: {وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} (187) سورة آل عمران.
وها أنذا أعرض بعضًا من المناقشات مما قد يثار حول الإعلان عن دولة العراق الإسلامية، جاهدًا فيما أزعم كشف الغموض والالتباس الذي قد يعتري الأفهام ويشتت الوجدان، فأقول"اللهم رب جبرائيل وميكائيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلفوا فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم"
فالأصل عند جميع النظار من أهل الإسلام الرد عند التنازع إلى الله ورسوله قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلًا} [النساء: 59] .
فالرد إلى الله والرسول هو الرد إلى كتاب الله وإلى الرسول في حياته وإلى ما أثر عنه بعد مماته. عن قتادة:"ذلك خير وأحسن تأويلا"، يقول: ذلك أحسنُ ثوابًا، وخير عاقبةً [2] .
فشاهد الحق في مسائل الدراية الكتاب والسنة، ولا بد لصحة الشهادة من اجتماعها واكتمالها وعدم اجتزائها واختزالها، وكل خطأ في الأصول أو الفروع، فمنشأه إما غياب الشاهد أو اجتزائه أو إنزاله على غير معناه.
قال ابن القيم -رحمه الله-:
"الأمر الثانى أن يفهم عن الرسول مراد من غير غلو ولا تقصير فلا يحمل كلامه مالا يحتمله ولا يقصر به عن مراده وما قصده من الهدى والبيان"
وقد حصل بإهمال ذلك والعدول عنه من الضلال والعدول عن الصواب وما لا يعلمه إلا الله بل سوء الفهم عن الله ورسوله أصل كل بدعة وضلالة نشأت في
(1) - هذا البيت من قصيدة البردة المشهورة للبوصيري
(2) - تفسير الطبري - (ج 8 / ص 506)