في كل موقع أناس مسعورون تؤرقهم رغباتهم وشهواتهم, ويفرضون على الناس حبهم وتعظيمهم بشتى أنواع الدجل والتضليل, بحيث أصبح أغلب العالم أو كله ما بين إله مشرع متسلط, وبين عبيد منفذين يساقون كالأنعام, فالله - جل وعلا - عاقب من لم يخضع لألوهيته بآلهة لا تقبل معذرة ولا ترضى بتسويف, وسلط على الملاحدة أهواءهم الضخمة ومحبوبيهم من دونه, فحملوهم ما لم يحملهم الله الذي لا يكلف نفسًا إلا وسعها, وجعلهم يتحملون كثيرًا من الأهواء والمخاطر في سبيل عبادة هواهم, ويتنازلون عن كثير من حقوقهم, وينحدرون بأنفسهم إلى ما يترفع عنه أولو الألباب الذين وصفهم الله, ويعيشون في جحيم من الاضطراب والتخليط في سبيل عبادة الهوى, {وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [آل عمران:117] .
إنهم صم عن الحق فلا ينفذ إلى مسامعهم, وبكم لا ينطقون به, وقلوبهم في عمى عن نور الله, إنهم هربوا من العبادة الصحيحة والدين القيم إلى أديان باطلة بأسماء مزخرفة يسيرها أرباب متفرقون مشيطنون بالدجل والتسلط, وتملكوا على مشاعر أتباعهم, وصادروا منهم كل عقل وتفكير {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} .
وإنما قلنا: إن عبادة الله ضرورة اجتماعية, وفطرة أساسية، لأن الإنسان في هذه الحياة محتاج إلى عقيدة ونظرية يسعى على ضوئها, كما أنه لا بد له من الخضوع لشيء ما والتعلق به, وإن الإنسان ساعٍ كادح, فإما أن يسعى فيما يسعده ويكدح إلى ما ينفعه أو يسعى فيما يشقيه ويخزيه, ويكدح لمن يستغله ويضنيه.
وقد أثبت التاريخ أن لكل جماعة من البشر نظريات في تعليل هذا الكون