الله في تحقيق الوفاء بمدلول الضراعة إلى الله بـ {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} , ذلك الشعار الروحي العقائدي الذي بقوة تحقيقه تتحقق الأصالة الفكرية, ويرتفع أهلها عن كل تميع وتقليد, والله المستعان.
بتحقيق العمل بمدلول {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ينجو الإنسان ويسلم من الرق المعنوي الذي هو أفظع وأنكى من كل رق حسي، لأن الرق الحسي يشعر به صاحبه, فيتمنى انتهاءه ويسعى لإزالته والتخلص منه حسب مجهوده, ولكن الرق المعنوي لا يشعر به صاحبه, بل على العكس ينقلب تصوره له تحررًا وتقدمًا, فيتمادى باستحسان حالته دون أن يخالجه أدنى شيء من الامتعاض والإحساس.
وكل من لم ينشغف وينشغل بعبادة الله وبحصر اتجاهه عليها واستعانته به - جل وعلا - فإنه لا بد من أن يبتلى بنوع أو أنواع من الرق المعنوي المذيب لشخصيته من حيث لا يشعر, فمنهم من تسترقه شهواته وتجعله عبدًا لمرذول أو مرذولة, لا يرضى هو أن يكونوا من عبيده لو كان متحررًا من الرق المعنوي, مستبصرًا بالبصيرة الفطرية, ولكن الرق المعنوي يجعله مغرمًا بهذا أو هذه أو بهمًا جميعًا, فيكون منشغفًا بقشر الجمال الذي سلب عقله, واسترق أحاسيسه وجوارحه يتغنى بأوصافه, ويفديه بنفسه وروحه التي لا تعدلها الدنيا جميعها ثمنًا لو عرف قيمة نفسه, بل يجهد نفسه في تحصيل الرضا أو طلب الوصال ممن يجب بغضه أو الابتعاد عنه, لو ملك العقل الفطري الذي يرفعه عن الرق المعنوي, وأحوال هذا القسم ظاهرة للعيان من أقدم العصور إلى أحدثها, تشهد عليهم اعترافاتهم في أشعارهم, كما قال قائلهم: