فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 384

لنفسه الحكم في الآخرة نعمة عظيمة يشكره عليها العارفون لضبط الجزاء أولا, ثم يشكرونه لمضاعفة الأمر ثانيًا كما سيأتي في بحث الشكر, وأيضا فتخصيصه لنفسه الحكم في الآخرة هو المشجع للمؤمنين بالغيب على تحقيق عبوديته والاستعانة به والتفاني في ذلك.

ولذلك أرشدهم في هذه السورة الكريمة إلى حصرها له حيث قال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} بتقديم المفعول وتكريره للاهتمام والحصر, أي: لا نعبد إلا إياك ولا نستعين إلا بك, ولا نتوكل إلا عليك, والدين كله يرجع إلى هذين المعنيين وذلك لأمور:

أحدها: أن العبادة هي كمال الطاعة والانقياد لأوامر الله والانتهاء عن زواجره, والوقوف عند حدوده, وقبول جميع ما ورد عنه على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم دون رد شيء من ذلك أو إلحاد فيه.

ثانيها: أن التذلل والخشوع فيها ناشئ عن حب وتعظيم, فمن خضع لأحد مع بغضه له لا يكون عابدًا له ومن أحبه ولم يخضع له بالقبول والانقياد لم يكن عابدا له أيضًا كمحبة الإنسان لوالده أو صديقه, إذ لا بد أن يقترن الحب بالتعظيم ليحصل الخضوع والانقياد, فلو حصلا بسبب الخوف والإرهاب لا يكون عبادة, ومن هنا وجبت محبة الله ورسوله وتعظيمها وتقديم محبتهما على كل شيء.

ويشهد لذلك حديث عدي بن حاتم المشهور في الصحاح والمسانيد حيث نص الرسول صلى الله عليه وسلم أن موافقة النصارى لأحبارهم ورهبانهم فيما يشرعونه عبادة لهم, وإن كانوا لا يحسبونه ولا يعتقدونه عبادة, والله سبحانه يقول: وَمِنَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت