{بسم الله الرحمن الرحيم (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} الحمد لله ثناء أثنى به الله على نفسه , وفي ضمنه أمر عباده أن يثنوا عليه، فكأنه قال: قولوا {الحمد لله} . فالحمد ثناء عليه بأسمائه وصفاته الحسنى, بما أنعم على عباده من نعم لا يحصيها غيره , وبما بسط لهم من الرزق وسخر لهم جميع الكائنات من غير استحقاق منهم لذلك , والألف واللام في {الحمد} لاستغراق جميع المحامد وصنوفها لله , فما من حمد واقع أو مفروض منذ البداية حتى النهاية يصرفه أحد إلى أحد إلا وينصرف إلى الله , إذ هو أهله، لأنه معطي الجميل ومعطف أهل الفضل لفعل الجميل.
ثم إن معنى الحمد في الاصطلاح هو معنى الشكر في اللغة , ومعنى الشكر في الحقيقة هو صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه إلى ما خلقه لأجله , من جميع الجوارح والحواس والآلات والقوى , وكافة النعم والأموال , فيحسن التصرف فيها باستعمالها في طاعة الله , ونشر دينه , وإعلاء كلمته , وقمع المفتري عليه, إذ يتضمن مدلولا الحمد والشكر القيام بجميع أنواع العبودية المرضية لله, ففي قرن الحمد بلفظة الجلالة الكريمة هذه الدلالة العظيمة , فمن لم يقم بذلك لم يكن حامدًا ولا شاكرًا على الحقيقة , إذ مجرد النطق لا يفيد , ومن قصر في أنواع العبودية كان مقصرًا بحمد {رب العالمين} بقدر ذلك, و {العالمين} هم مَنْ سوى الله, فكل من سوى الله تعالى فهو عالَم (بفتح اللام) .
ومن هنا قالوا بعموم مدلولهم جميع أجناس المخلوقات, فمعنى {رب العالمين} سيدهم المربي لهم الذي رباهم بنعمته: