فهرس الكتاب

الصفحة 186 من 384

نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ يجعل المؤمن صلب العود, عظيم المراس, لا يميل مع كل ريح, ولا يضعف أو يلين أمام أي قوة, ولا ينحني مع أي خلة ولا يندهش أمام أي مفاجأة, أو يحزن عند أي مصيبة، لتوجهه إلى الله بكليته, واعتماده عليه في كل نائبة, واحتسابه العوض منه عن كل شي, فحبيبه الأوحد هو الله, وهو ذخيرته وملجؤه, وهو هدفه وغايته, وبذلك تكون شجاعته كاملة, وبطولته خالدة, وأخلاقه فاضلة, وصبره معينًا لا ينفد, بخلاف ما عداه من أهل الهوايات المادية, والغوايات النفسية, فإنهم وإن كان في بعضهم شجاعة وصبر واستخفاف بالنوائب, فإنهم لا بد أن تنال منهم الأحداث مأربها ويلويهم خصمهم على ما يريد في أدنى ما يصابون به من كوارث.

أما عباد الله أصحاب تلك الضراعة الصادقة فهم على ما قلناه كما صور لنا التاريخ عزمهم وثباتهم على ما يلاقون من المواقف الحرجة, والنكسات المريرة, كما في واقعة الجسر, وقبلها وبعدها, مما وهب الله لهم به الحياتين، لأنهم حرصوا على الموت, ولم يحرصوا على المادة والشهوات, ولم يوقف الزحف الإسلامي ويعكسه إلا الخصلة الأخيرة من الحرص على المادة والشهوة, والالتفات إليهما, مما جعلهم ينكصون على أدبارهم بعدما استنشقوا النصر في ضواحي (باريس) .

وما مصيبة المسلمين أخيرًا إلا عدم الصدق الكامل بتحقيق الضراعة مع الله بـ {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} , وقصر الاعتماد على ولائه ونصرته - جل وعلا -, وهو القائل: وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت