انشغلت قلوبهم - التي تركها المسلمون المفرطون فارغة - بتلك المبادئ, واستعلت تحمسًا لها, فتصلبوا للدفاع في سبيلها ونجحوا - مؤقتًا - نجاحًا جروا به الخراب والدمار في كل ناحية, وسببه تبلد المسلمين لانطفاء جمرة الغيرة لله في قلوبهم.
والله الذي ضرب هذا المثل لمن لم ينتفع بوحيه بحسن حمله ورعاية الأمانة فيه, قد ضرب مثلًا أسوأ منه لمن انحرف عن وحيه وانسلخ منه مبتغيًا سواه, مما تهواه نفسه من المذاهب والأذواق, فشبهه بالكلب الذي من طبيعته أنه {إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ} كما نص على ذلك في الآيات [175 - 176] من سورة الأعراف, وقد ذكرت في عدة مواضع أن هذا المثل هو من معجزات القرآن الخالدة, فإننا نرى المنحرف عن وحي الله إلى شهواته وأطماعه يلهث كالكلب, بل نجد هذا الصنف من الناس يتهارطون في صحفهم وإذاعاتهم, تهارط الكلاب, وإذا سكت بعضهم لم يسكت الآخر عنه فيعود إليه.
وهذه من بعض عقوبات الله على الكفرة ومن شابههم من أدعياء الإسلام, الذين إذا ذكروا بآيات الله خروا عليها صما وعميانًا, لا تعيها آذانهم, ولا ترعاها قلوبهم, فلا تنطلق بها جوارهم, فإنهم بذلك يحدثون فراغًا هائلًا تنفتح به جميع ثغورهم أمام غزو أعدائهم المتنوع كما حصل, ولا ينجو المسلمون منه حتى يحققوا عبادة الله بأخذ وحيه بقوة, وأن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق, مبتعدين عن مشابهة أهل الكتاب في أي شيء كما سنوضحه.