فهرس الكتاب

الصفحة 159 من 384

أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ [المؤمنون: 71] إن العرب وقت البعثة المحمدية كانوا أشد شرًا من حالهم في مطلع هذا القرن الرابع عشر الهجري, والعشرين الميلادي, إنهم أسوأ حالة منا في البؤس والشقاء, والفرقة والتناحر والاستعمار المطوق لهم من جميع الجهات، فالجنوب العربي يتقلب بين استعمار الفرس والأحباش, وباقي الجهات تحت نفوذ الرومان والفرس, ولم يسلم من الاحتلال المباشر إلا ما لا يستحق الاحتلال من الأراضي, التي يصور لنا الشاعر العربي معيشة أهلها في فخر واعتزاز, وتنويه وإعجاب:

فما العيش إلا الضب يحرشه الفتى…وورد بمستن اليرابيع أكدر

فلو قام يدعوهم ويلهب شعورهم إلى قومية يتكتلون تحت لوائها وشعاراتها، ليطردوا بها المحتل لبلادهم, وسائر ثغورهم, لاستجابوا له بدون كلفة ولا تعنت, واستراح من عنادهم وإيذائهم, وقد يتوجوه ويملكوه أمرهم لما يعرفون من شرفه وأمانته, ولأنه يدعوهم إلى ما لا يخالف أهواءهم ولا يطمس مللهم ونحلهم, ويكبت مقاصدهم، لأن الدعوة القومية فيها إقرار لكل ذي باطل على باطله فيما يتعلق بالله.

وكذلك لو دعاهم إلى مذهب اجتماعي من مخترعات اليهود المفسدين يثير بها الأكثرية الغوغائية على طبقة الأشراف والأثرياء, لاستجاب له الأكثر, ثم كان الأقل مغلوبًا وانتصر في الحال, بدلًا من أن يتعثر بدعوة (لا إله إلا الله) التي لا تدع لأحد من كل الطبقات شيئًا من الخيرة في أمره.

ولكن الله لا يريد شيئًا من ذلك ولا يرضاه ولو في فترة قصيرة، لأن الله لا يرضى الشرك لحظة واحدة, ولا يجيز لأحد من أنبيائه وأتباعهم الممالأة عليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت