فهرس الكتاب

الصفحة 160 من 384

أبدًا, وليس من حكمته التدرج في خلقه على ضلال، لأنه لا يجدي في النهاية, بل يكون هادمًا لمقصود الرسالات, ومعجزاتها, ومبادئها الثابتة, من أول وهلة إلى النهاية.

ولو علم الله في ذلك خيرًا لأمر أنبياءه أو بعضهم أو خاتمهم محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يدعو إلى مبدأ قومي, أو مذهب اجتماعي, يسير الناس عليه, حتى إذا تجمعوا وقهر بعضهم بعضًا عليه دعاهم بعده إلى التوحيد الخالص بعدما أركسهم في الشرك المتنوع, ولكن يأبى الله أن يشوب دعوة الرسل, أو يتقدمها شيء من ضروب الوثنية المادية, واتباع الهوى, بل كانت الغاية والحكمة بعث الرسل بالتوحيد الذي ينتزع فيه سلطان الأهواء والشهوات من كل ناحية, فلا يبقى للأهواء والشهوات مرتع في الحكم, أو في سائر أنواع السلوك, وهو العليم الحكيم - جل وعلا - يريد أن يمحو سلطان البشر على البشر من أي نوع كان، حتى لا يحكم أحد أحدًا إلا بحكم الله المطهر للنفوس والجوارح, والمصلح لجميع الأحوال بتحقيق العبودية له وحده.

الرابع والأربعون بعد المائة: العابد لله يكون مرهف الإحساس, قوي الشعور, صادق العزيمة عظيم الهمة, يطير إلى الله بجناح الشوق, مسارعًا في مرضاته, نشيطًا في طاعته, محبًا للقائه, غير ضجر ولا ملول, فلا يُفقد في مواقف الطاعة ومواقع الجهاد, فضلًا من أن يتفقده أهل الحسبة أو يأطروه، لأن من كان كذلك فشعوره بارد, ومحبته ضعيفة, وشوقه مفقود.

فعباد الله حقًا يطيرون إليه بأجنحة من الشوق دون زاجر أو مرهب, سوى ما في قلوبهم من معرفة الله الصحيحة ومحبته الصادقة التي انبعث منها الشوق إلى لقائه, تصديقًا بوعده ورغبة في جنته, فتجدهم رهبانًا بالليل وفرسانًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت