محتسبًا, ولا يجعل لنفسه حرية الشهوة أو ترك العمل, دون برهان من الله بالرجوع إلى أمره وحكمه فيه, والله الموفق.
الثالث والستون بعد المائة: تقديم العبادة على الاستعانة في هذه الآية الكريمة من باب تقديم الغايات على الوسائل, ذلك أن العبادة هي غاية العباد التي خلقوا لها, والاستعانة وسيلة إليها, والحكمة في ذلك التقديم هي أن المصلي وغيره من كل متلبس بالعبادة يقول: (إني شرعت في طاعتك تحقيقًا لعبادتك, فأستعين بك في إتمامها وإنجاحها على ما يرضيك) وحتى المجاهد, عليه ألا يغتر بقوة ساعده, أو قوة عتاده أو كثرة زملائه وأعوانه, بل يضرع إلى الله الذي جاهد في سبيله بهذه الآية ضراعة الصادق طالبًا مدده الأعلى, الذي لا يغلبه شيء, ففي ذلك إزالة للزهو, وإفناء للحمق والكبرياء.
ثم إن العبادة لما كانت له - جل وعلا - وجب تقديمها, ولما كانت الاستعانة به سبحانه وتعالى ساغ تأخيرها , قال ابن القيم رحمه الله:"والعبودية محفوفة بإعانتين: إعانة قبلها على التزامها والقيام بها, وإعانة بعدها على عبودية أخرى, وهكذا أبدًا حتى يقضي العبد نحبه". وقال الشيخ ابن تيمية:"تأملت أنفع الدعاء فإذا هو سؤال العون على مرضاته, ثم رأيته في الفاتحة في: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} فهذا الدعاء بهذه الآية من حظ أهل العبادة لله, والمعرفة به حقيقة, ولذا علمه النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ فقال: يا معاذ:"إني أحبك فلا تنس أن تقول دبر كل صلاة: اللَّهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" (1) ."
1 -أخرجه أبو داود (1522) , والنسائي في الكبرى (6/ 32) , والحاكم في المستدرك (1/ 407) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.