الضراعة يكون لهم من الشجاعة ما يحملهم على الجهر والإعلان بالحق دون خشية أحد مهما كان, وعلى القيام بنشره والاندفاع بنصرته وإسناد أهله, لشعورهم الكامل أنهم منتدبون من الله لتوزيعه والذب عنه, كما قال - تعالى - في حصر سمة الإخلاص: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا} [الأحزاب: 39] فالجهر بالحق من أعظم صفات الكمال، لأنه لا يجول الباطل إلا عند غفلة أهل الحق عنه, فإذا قام به أبطال, يصدعون به ويتحمسون لله في نشره زهق الباطل وانصعق أهله, واختفوا كما يختفي الخفاش من ضوء الشمس.
وقد أجرى الله سنته الكونية أن الحق لا يقوم وحده, وإنما يقوم بالأبطال المخلصين قومتهم في دينهم لله, وجعل الجهر بالحق واجبًا عظيمًا من واجبات الدين, وجعل أفضل الشهادة كلمة حق عند سلطان جائر, وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"إذا هابت أمتي أن تقول للظالم يا ظالم فقد تودع منهم" (1) ولا يمكن للأمة نهوض ولدين الحق نصر إلا بقيام من ينصره من المخلصين, ولا ينهض الحق ويبلغ ذروة المجد والنصر إلا إذا نهض به رجال كبار النفوس ممن صدقوا ما عاهدوا الله عليه بهذه الضراعة ممن ارتفعت شخصيتهم وكبرت نفوسهم بـ {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ولله در الشاعر القائل:
تبينت أن الحق إن لم تتح له…بواسل يخشى شرها عدَّ باطلُ
1 -أخرجه أحمد (2/ 163) , والبيهقي في سننه (6/ 95) , والحاكم في المستدرك (4/ 108) من طرق عن محمد بن مسلم عن عبد الله بن عمرو به.
وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. اهـ. إلا أن البيهقي قال: محمد بن مسلم هذا هو أبو الزبير ولم يسمع من عبد الله بن عمرو.اهـ. وانظر مسند البزار (6/ 363) رقم (2374) .