وروى الحاكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من جعل الهم همًّا واحدًا كفاه الله هم دنياه, ومن تشعبته الهموم لم يبال الله به في أي أودية الدنيا هلك" (1) .
ولقد صدق مدلول هذه الأحاديث على الماديين, حتى من المنتسبين للإسلام, ممن لم يصدقوا بضراعتهم مع الله بـ {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} . فتراهم في نهمة وجشع, وهلع وتحسر, وتطاحن وقلق مهلك, بحيث إن الإحصائيات الطبية قررت أن عدد الوفيات بأمراض القلب والصدور وحوادث الانتحار أكثر مما أهلكته الحروب الراهنة خلال عشرين سنة في الولايات المتحدة, التي تعتبر رمز الحرية والحضارة والتقدم المالي المشوب بالفقر الروحي والعياذ بالله.
والنصوص والأحاديث النبوية كثيرة في هذا المضمار الهادف للرضا والطمأنينة, وضبط عواطف البشر عن قصر النظر على المطالب المادية والكدح المجنون في معركة الحياة البهيمية الغارسة للأضغان, المثيرة للعداوة, المحرقة للصدقات والفضائل.
ولا عبرة بسوء فهم بعض الناس لمعاني هذه الأحاديث, مما أفضى إلى إهمال بعضهم لها وإلى مغالاة بعضهم باستخدامها في إبطال أعمال الحياة, فهي لا تنص على ترك الأعمال وعيشة الدروشة, وإنما تنهى عن إيثار الدنيا وقصر النظر على المادة, ونسيان واجب الله من حياة العبد والتعلق بغيره, وتعطيل العمل لدينه زاهدًا فيه, ورغبة في غيره من المسالك المادية بأي مذهب وأي مبدأ ينشغل به الإنسان عن عبودية الله, فيكون عبدًا للهوى والشهوات, عبدًا
1 -أخرجه الحاكم في المستدرك (2/ 481) , والبيهقي في الشعب (7/ 289) رقم (10340) . وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.