فهرس الكتاب

الصفحة 252 من 384

الموجود من عادات البشر وتقاليدهم السائدة, وإنما هو استسلام عن رضا مطلق خال من جميع المرغبات العاجلة فيه, ومشبع برغبة ناشئة مما قدمناه, ومنبثقة من الإخلاص لله, والتحرر من سلطان غيره.

فهي عبودية قلب خالص لله, سليم مما سواه, لا تبالي برفض ما حرمه الله مهما كان مألوفًا أو لذيذًا, ولا تحجم عن تنفيذ ما أمره الله به مهما كان شاقًا أو مكروهًا, عبودية لا يبالي صاحبها بما حوله من المعرضين والمتهكمين, الساخرين والغاصبين الناقمين, وإنما هو مستعين بالله في مواجهتهم ومراغمتهم, والقيام بضمهم إلى صفه, طوعًا أو كرهًا, وفرض سلطان الله عليهم وحكمه وهم صاغرون, عبودية كاملة تركزت على هذه القاعدة التي استعذبت بها الجهاد, وخاطبت رسوله بها بما يسره, فلقد قال سعد بن معاذ أحد زعماء الأنصار رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم: (اطعن حيث شئت, وصل حبل من شئت, واقطع حبل من شئت, وخذ من أموالنا ما شئت, أعطنا ما شئت, وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت, وما أمرت فيه من أمر فأمرنا تبع لأمرك, فو الله لئن سرت حتى تبلغ البرك من غمدان لنسير معك, والله لئن استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك) (1) .

هذا منطق أهل العقيدة الصادقين مع الله, الحامدين الشاكرين لله, المخلصين في تألههم لله دون سواه, والجاعلين لرسوله صلى الله عليه وسلم الأولوية على أنفسهم ومحبوباتهم, والحاصرين التبعية له فقط من غير نظر في العاقبة, أو

1 -أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (7/ 353) , رقم (36660) من طريق محمد بن عمرو الليثي عن جده بمثله, وأخرجه البخاري (3952) من حديث ابن مسعود مختصرًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت