الإسلام؟ وما فائدة صرف الوقت وبذل المجهود بالخوض في حكمة تشريعات الإسلام وصلاحيتها للعصر؟ إن الذي يناقش في ذلك أو يشك فيه ليس أهلًا للدخول فيه, وليس صالحًا للانتساب إليه.
إن الإسلام ليس تابعًا لأحد, ولا يجيز لأهله التملق والمداهنة, وإنه لا يصلح لدين الله, ولا يستقيم على عبوديته الصحيحة المطلوبة, إلا الذي يعرف معنى الألوهية لله, ومعنى الملكية لله, فيعامله معاملة الإله والملك دون ريب أو استفهام, بل على وفق ما ذكرناه في هذا الوجه والوجوه التي قبله, والقلوب من أشد الأوعية وأقواها تأثرًا وحساسية, وقد قرر العقلاء قاعدة لا تقبل الجدل أبدًا وهي أن قبول الوعاء لما يوضع فيه, وصلاحيته لما يوضع فيه مشروطان بتفريغه وتنقيته من ضده.
فمثلًا الإناء الذي فيه ملح أو ممتلئ بالملح لا يكون فيه قابلية أو صلاحية لوضع السكر, حتى يفرغ منه الملح وينقى من رواسبه, ثم يصلح لوضع السكر ونحوه, وهكذا فالقلوب شأنها أعظم وأعظم, ولا تصلح مستقرًا لحب الله وتعظيمه وخشيته ومراقبته، ومحبة نبيه صلى الله عليه وسلم وتعظيمه، حتى تفرغ وتخلص وتطهر من محبة غيره، من كافة الأغراض والمحبوبات والشهوات, ومن تعظيم غيره، والخشية من غيره, والتطلع إلى غير رضاه, فإذا خلصت وطهرت حصل استسلام أهلها وحسن انقيادهم لله, وكملت طواعيتهم له, وصاروا لا يرجون غيره, ولا يخافون سواه من أي قوة, وكان سلطانه هو المسيطر على النفوس, والمسير للحركات, والمفجر للطاقات, ووجدت الروحانية محل المادية اليهودية الخبيثة بدون عناء, وصار انزياح صاحب القلب زكي الطاهر عن المعاصي بدافع الخوف من الله, ومراقبته من ضمير حي