ولكن العابد لله حقًا يخاطبهم بما خاطب نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أهل الجاهلية في زمنه، لأن هؤلاء من ورثتهم, يلتقون معهم في عبادة الهوى وتحكيمه, وإن اختلفوا في الصورة, وعبودية الله سبحانه مغايرة لجميع صور الحياة الجاهلية قديمًا وحديثًا, فلا يجوز لعباد الله مجاملتهم أبدًا, بل يصدعون بوحي الله, منددين بما هم عليه من عبادة أسماء جديدة ما أنزل الله بها من سلطان, أحلوها محل اسم اللات والعزى, وعباد الله حقًا, الدافعون برسالته, المستعينون به صدقًا, لا يتحدثون عن دينهم بصفة يقدمونه بها لعباد الهوى كأنه مناسب لذوقهم، صالح لعصرهم، كأنهم يدفعون عنه التهمة, فيقابلون كل نظرية جاهلية تعشقها عباد الأهواء من الشرق والغرب بقولهم عنها: إن الإسلام قد سبق إليها منذ 14 قرنًا.
فإن هذه المعالجات لا تمد الإسلام و لا تنفع لرد الشاردين عنه إليه مهما تعلل هؤلاء الشاردون بقسوة التشريعات الإسلامية, أو عدم إخراجها للناس بصيغة مواد تنظيمية وأساليب عصرية, كأنهم لا يبصرون قسوة النظم الثورية الماركسية, وما تفرع منها, ولا القسوة الوحشية في التمييز العنصري الذي يجري في قبلتهم الحضارية (أمريكا) أو كأنه لا يمنعهم من الاحتكام إلى الله ورسوله إلا انعدام من يبرز لهم شريعة الله بالأسلوب الذي يريدون, كلام, وإنما هي تعليلات للاستهلاك المحلي بشتى أنواع الدجل والنفاق الذي يستبقون به استعبادهم للبشر, وفرض سلطانهم عليهم من دون الله.
فأهل الجاهلية في جميع أدوارهم يخادعون عباد الله, ويشغبون معهم في الفروع, والقضية في حقيقتها ليست في الفروع, وإنما هي في الأصول, بل أصل الأصول الذي يبدل التصورات والمشاعر, ثم تتبدل التشريعات الفرعية