الشمال, فيفجر طاقاتهم في ذلك, ويجعلهم يبذلون النفس والنفيس, ويتعشقون الشهادة في سبيل الله, فيكون حرصهم على الموت أشد من حرص أعدائهم على الحياة.
ثم بصدق نياتهم مع الله, وإخلاصها لله, وطهارة جوارحهم وصلاح أعمالهم, يستمطرون رحمة الله بمدد السماء وحصانته, التي لا يغلبها غالب أبدًا, وهذه الحقيقة لا يفهمها إلا حملة الرسالة, وقليل من المؤرخين ذوي الفكر الصريح المستقل, أما كثير من الناس فإنه تبهره ضخامة الدول المادية, وينضبع بها ولا يهضم كلامنا، لأنه لم يحمل ما حمله أصحاب العقيدة, ولم يمتلئ قلبه من تعظيم الله بدلًا من تعظيم المادة, فتعظيمه للمادة جعله يستصغر دينه, ويكفر بذاته أمامهم, ولا يثق بربه أولًا ثم بنفسه ثانيًا، لأنه نسي الله فأنساه الله نفسه, ولو رجع إلى أسلافه الصحابة وجدهم على قلتهم وضعفهم المادي, صالوا صولة الأسود على أضخم دول الأرض في كثرة العدد وقوة العدة الحربية, ووفرة المال والكنوز, فحطموها دون أن يستعينوا ببعضها على الآخر, أو يتملقوا لبعضها ضد بعض, بل صالوا على الجميع في وقت واحد بقوتهم الروحية المستمدة من السماء لا من الأرض, وكذلك القلة القليلة بمادتها التي غزت (أسبانيا والبرتغال) والمغرب الأقصى وما وراءه, لو كانت نظرتها كنظرة المسلمين المعاصرين والمحسوبين على الإسلام - نظرة مادية - لما فكرت في غزو هذه الأمم, ولكنها غزتهم بالنظرة الروحية والقوة الروحية التي لا يصمد أمامها الماديون, والتاريخ يقرر أن الدول الكبيرة لا تضمر ولا تذوي و لا تنكمش, ولكنها تنهار كما ينهار عمود الخشب الضخم, الذي نخر السوس لبه, فبهذا المثل انهارت الدول الكبرى أمام