أدنى هزيمة عقلية، لأنه فكر مرتكز على الحس الديني, يستمد جميع تصوراته ومفاهيمه من المعاني العميقة لعبودية الله والاستعانة به, فالأفكار النابعة من ذلك والمستقاة منها, أفكار أصيلة حرة نبيلة, تنظم حياة الفرد الدينية, وتنظم حياة المجتمع في السياسة والاقتصاد والثقافة وسائر مرافق الحياة, فهي أفكار أصيلة كاملة, فيها من الشمول ما ينظم الدين والدولة في جميع الشئون والميادين, ولذلك قال الله تعالى: {وَمَن لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} {الظَّالِمُونَ} {الْفَاسِقُونَ} [المائدة: 44, 45, 47] .
وهذه الأصالة الفكرية تضمن الوحدة الروحية والثقافية لمن تمسك بها وقدرها حق قدرها, وكانت جميع تصوراته ومقاصده نابعة منها, ومرتكزة عليها, وهي ليست ثقافة قومية ضيقة كما تريدها اليهود لغيرها, ممن تسميهم تارة بـ (الأمميين) وتارة بـ (حميرها) وإنما هي ثقافة روحية إنسانية عالمية هادفة للصلاح والإصلاح, تقوم على أساس عدم العبودية لغير الله, وعدم الخوف إلا من الله, وعدم الاستمداد من سواه, أو الاستعانة بغيره, وتجعل حب الإنسان وعواطفه مرتبطة بالله, لايحب إلا ما يحبه الله, ولا يوالي إلا أحباب الله وأهل طاعته, ولا يبغض إلا ما يبغضه الله, ولا يعادي إلا المبتعدين عن طاعة الله.
وعبادته تعني ألا يكون له في سلوكه السياسي أغراض نفسية, ولا في سلوكه الاقتصادي مطامع انتهازية, يبتز بها المال الحرام أو يبخل به عن أداء الحقوق, ولا في سلوكه الثقافي أو الاجتماعي شذوذ يشط به عن التزام حكم الله, والوقوف عند حدوده, ولا يسلك في النواحي السياسية مسالك العصريين الذين أعادوا الجاهلية الأولى, فأخذوا ينتصرون للعصبية والأغراض