خائفًا يترقب، لما كان متربيًا في نعمته ودلاله، رجع لما صنعه الله على عينه في مدين إلى فرعون صابرًا متوكلًا متحديًا له بقوله: {قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا} [الإسراء: 102] خاطبه بهذا المنطق البشع، لما أكسبه الله من القوة المعنوية، وهكذا إلى دور سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم القائل لعمه"لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي" (1) ودور خلفائه والصادقين من أمته، كيف اكتسبوا القوة المعنوية التي لا تعرف الوهن والكلل أمام قوى الشر المتكالبة المتكاثرة؟
ولا يزال الله يرينا تأييده للصادقين في عبادته، ويرينا عكس ذلك فيمن ينتسب إلى الإسلام، وهو ممزق للقرآن تمزيقًا معنويًا، بعزله عن التشريع وإقصائه عن الحكم، كيف لعبت عليهم شرذمة اليهود مع كثرة عددهم وقوة عدوهم، لما حل بهم من الضعف المعنوي الذي لا يزول إلا بالرجوع إلى الله؟!!
هذا وقد ذكرت الحبلين من قريب: {بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ} [آل عمران: 112] لئلا يقول قائل: كيف انتصر اليهود وهم أكفر من غيرهم؟ مع أن هذا السؤال فيه من المغالطة ما فيه، فعلى المسلمين أن ينطبعوا بعبادة الله، ويتكيفوا بوحيه، ويحققوا عبادته، ليعودوا إلى القوة المعنوية، ويسلموا من الضعف المعنوي، وأن ينخلعوا هم والعرب من هذه الجاهلية الجديدة التي جددتها الأفكار اليهودية، وروجها الاستعمار الشرقي والغربي ليحصلوا على
1 -أخرجه الطبري في التاريخ (1/ 545) من طريق ابن إسحاق عن يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس به.
وانظر السيرة النبوية لابن هشام (2/ 101) ودلائل النبوة للأصبهاني (1/ 197) .