فهرس الكتاب

الصفحة 333 من 384

ومن رزقه الله العقل السليم، عرف عجزه عن معرفة كنه نفسه، فلا يطمع في معرفة ما هو أكبر منها وأعم وأشمل، بل يجزم بكل يقين أنه لم يعرف من الحياة إلا قشورها دون اللباب، ويرى وجوب الاعتراف بالعجز والتقصير، فيقف حيث أوقفه الله، ويحصر تفكيره على خلق السموات والأرض، وما بث فيهما من دابة، وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض، وأن الله لم يخلقهما باطلًا، بل خلقهما بالحق وأجل مسمى، ويعتبر بآجال من يراه من البشر، ويتفكر في آثار الماضين، وكيف كانت عاقبتهم، وهم أشد قوة وعمارة للأرض من الآخرين، ويتفكر في أسرار النبات الذي يُسقى بماء واحد، وتمده تربة واحدة، كيف يفضل الله بعضه على بعض في الأكل، وغير ذلك مما يغرس في قلبه تعظيم الله، وإجلاله، وتقديسه، وإكباره.

وينظر في ترادف نعمه وتسخيره له كل شيء، فتنفرد محبة الله في قلبه وتزداد، فيكون مشغوفًا بحبه، منشغلًا بذكره، قائمًا بأمره منفذًا لشريعته، محترمًا لحدوده، فإن سلطان الدين، هو محراب القيم الإنسانية الخيرة، المرتبطة بالوجود، يدعوه إلى التأمل والتفكر في مخلوقات الله، ونعمه السابغة، فيريح الفكر، ويدخل الطمأنينة على النفوس العابدة لله.

وأما عبادة المادة، وأتباع شياطين الجن والإنس، فإنهم يلغون ذواتهم، لأنهم لما نسوا الله، أنساهم الله أنفسهم، فأخرجوها من رحمة الله إلى عبودية من يخنق مؤهلاتهم الفكرية والعملية، ويسلب حريتهم، ويجعلهم كالآلات المدارة، أرقاء لطواغيت النزوات، وعبيدًا لأحط النزعات والشهوات، فكأنما هم مقادون إلى حتفهم، مساقون إلى مصارعهم بتأثير العوامل الاقتصادية.

ولما أسلموا وجوههم لغير الله، مسخت المادة منهم أقدس الجوانب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت