لا جرم أن الوعي مستحيل، لأن النظر مقصور على بصيص إلى ناحية واحدة هي الناحية التي يريدها الحكام المشار إليهم ممن افترسوا الحكم حسب المخطط الآنف الذكر, فلا عجب أن تبلغ البشرية في انحطاطها مستوى دون مستوى الحيوان أو الحشرات، لأنهم بسبب ما قدمنا أصبحوا فاقدي الهدف بالكلية أو جاهلين به, متجهين اتجاهًا عكسيًا كما تريده الشيوعية واليهودية العالميتان, ومع هذا ففيهم نفخة غرور جعلتهم يتبجحون بالوعي وهم عنه في مكان قد امتلأ سرابًا.
وأما انحطاطهم في الشئون الاجتماعية فحدث عنه ولا حرج, ذلك لفساد تصوراتهم بما أحدثوه في الميدان الثقافي والإعلامي من حشائش الأباطيل التي تبلورت بها أدمغتهم حتى صاروا يستحسنون القبيح, فأصبح المنكر عندهم معروفًا والمعروف منكرًا فجنوا على العقول والصدور بما أباحوه من المسكرات التي حرمها الله الحكيم لحفظها, وبث جميع أنواع الميوعة المذهبة للشهامة والقاتلة للرجولة, والعمل الدائب على إفساد الأخلاق والتحلل من الفضيلة بإنشاء المسارح والمراقص والبلاجات الخليعة وحانات الخمور, والاختلاط في العمل والتدريس بين الجنسين, وإرخاص الأعراض بإباحة الزنا حالة الرضا, وتشريع الأنظمة الديوثية المعفية للزناة عن إقامة حدود الله, والإغراء على الفواحش بإباحة التبرج وإظهار الزينة بل إظهار المفاتن, مما يعتبر تشجيعًا للفسقة وفتنة لغيرهم إلى غير ذلك مما هو انحطاط، بل سقوط وتسفل بالإنسانية إلى مستوى البهيمية وشرود عن تزكيتها المحققة للفلاح بجميع معانيها, ورغبة ملحة في الخيبة العامة في جميع شئون الحياة، كما قال الله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 9, 10] .