للإنسان والحيوان, وهي التي قال الله عنها: {أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه: 50] .
ثالثها: هداية العقل، لأن الهدايتين السابقتين لا تكفيان لحياة الإنسان الاجتماعية, فأمده الله بالعقل الذي يميز به بين الأشياء, ويتميز به على جميع المخلوقات سواه، لأن العقل يكون مصححًا لغلط الحواس والمشاعر بل يكون مانعًا وحاجزًا من ذلك، ولهذا حرم الله الجناية على العقل بشرب أي مسكر أو مخدر, وشرع فيه العقوبات الرادعة.
رابعها: هداية الدين ولا بد منها أبدًا لبني الإنسان, إذ لا يكتفى بالهدايات السابقة عنها وهي لا تدرك بالعقل ولا بالحواس، بل قد يهمل الإنسان عقله واستعمال حواسه عند ثورة شهوته والشغف بنيل مآربه وأنانيته, فلا حاجز له ولا رادع إلا الهداية الدينية، فلذا كان الإنسان أحوج إليها من طعامه وشرابه، لأنه بدون الهداية الدينية توقعه أحاسيسه ومشاعره في مزالق الخطأ والرذيلة, بل تستعبده الشهوات والمطامع والأهواء التي لا حد لها, بل قد تجعله يتطاول إلى ما في يد غيره ويتطلع إلى أعراض غيره، فيحصل للناس من هذه النزوات ما يكدر صفو عيشهم من التنازع والتخاذل والتقاطع والتجادل والتلصص والانتهاب وقتل النفوس, مما يسبب مجازر بشرية, وخرابًا ودمارًا على البلاد.
فلذلك كانت حاجتهم إلى الهداية المرشدة للخير والمنورة لهم في أوساط ظلمات أهوائهم التي تغلب على عقولهم حتى تجعلها في سكر معنوي أفظع وأبطأ من كل سكر حسي, وهذه الهداية هي التي نبه الله عليها بقوله: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} [البلد: 10] وقوله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} [الأنعام: 90] ولهذا كانت هذه الهداية هي أكبر نعمة من الله على