[حديث: مرحبًا بالقوم غير خزايا ولا ندامى]
53# وبه قال: (حدثنا علي بن الجَعْد) ؛ بفتح الجيم وسكون العين، أبو الحسن ابن عُبيد؛ بضم العين، الجوهري، الهاشمي، البغدادي، المتوفى فيها سنة ثلاثين ومئتين، (قال: أخبرنا شعبة) ؛ هو ابن الحجاج، (عن أبي جمرة) ؛ بالجيم والراء، واسمه نصر بن عمران بالصاد المهملة، الضُّبَعي؛ بضم الضاد المعجمة، بعدها موحدة مفتوحة، بعدها عين مهملة، البصري المتوفى سنة ثمان وعشرين ومئة، والضُّبَعي: نسبة لبطن من عبد القيس.
(قال: كنت أقعد) بلفظ المضارع حكاية حالٍ ماضية؛ استحضارًا لتلك الصورة للحاضرين، (مع ابن عباس) رضي الله عنهما؛ أي: عنده زمن ولايته بالبصرة من قِبَل علي بن أبي طالب، (يُجلسني) ؛ بضم أوله من غير فاء، مِن أجلس، وفي رواية: بالفاء؛ أي: يرفعني بعد أن أقعد.
(على سريره) عطف على (أقعد) ؛ لأنَّ الجلوس على السرير بعد القعود، وروى المؤلف في (العلم) السبب في إكرام ابن عباس له، ولفظه: (كنت أترجم بين ابن عباس وبين الناس) ، والترجمة: التعبير بلغة عن لغة لمن لا يفهم، فقيل: كان يتكلم بالفارسية، وكان يترجم لابن عباس عن من تكلم بها، وفيه دليل على جواز الترجمة والعمل بها، وجواز المترجم الواحد؛ كما قاله القاضي.
قلت: قال أئمتنا الأعلام: والواحد يكفي للتزكية والرسالة والترجمة؛ لأنَّها خبر وليست بشهادة حقيقية، ولهذا لا يشترط لفظة الشهادة؛ فليحفظ.
(فقال: أقم) ؛ أي: توطن (عندي) ؛ لتساعدني بتبليغ كلامي إلى من خفي عليه من السائلين، (حتى) أن (أجعل لك سهمًا) ؛ أي: نصيبًا (من مالي) ، سبب الجعل الرؤيا التي رآها في العمرة؛ كما سيأتي في الحج، قال أبو جمرة: (فأقمت معه) ؛ أي: عنده مدة (شهرين) بمكة، وإنما عبر بـ (مع) المقتضية للمصاحبة دون (عند) المقتضية لمطابقة (أقم عندي) ؛ للمبالغة.
وفي رواية مسلم بعد قوله (وبين الناس) : (فأتت امرأة تسأله عن نبيذ الجر، فنهى عنه، فقلت: يا بن عباس: إنِّي انتبذت [1] في جرة خضراء نبيذًا حلوًا فأشرب منه فيقرقر بطني، قال: لا تشربْ منه وإن كان أحلى من العسل) .
(ثم قال: إنَّوَفْد) ؛ أي: جماعة (عبد القيس) أبو القبيلة، وهو ابن أَفْصَى؛ بهمزة مفتوحة، وفاء ساكنة، وصاد مهملة مفتوحة، ابن دُعْمي؛ بضم الدال المهملة، وسكون العين المهملة، وبياء النسبة، ابن جَديلة؛ بفتح الجيم، ابن أسد بن ربيعة بن نزار، كانوا ينزلون البحرين وحوالي القطيف، وكانوا أربعة عشر رجلًا بالأشج، ويُروى أنهم أربعون، فيحتمل أن يكون لهم وفادتان، أو أن الأشراف أربعة عشر والباقي تبع، وأسماؤهم وبيانهم موضح في «عمدة القاري» غاية الإيضاح.
(لما أتوا النبي) الأعظم (صلى الله عليه وسلم) عام الفتح قبل خروجه من مكة، وكان سبب وفودهم كما في «عمدة القاري» إسلام منقذ بن حبان، وتعلمه الفاتحة وسورة اقرأ، وكتابته عليه السلام لجماعة عبد القيس كتابًا، فلما رحل إلى قومه؛ كتمه أيامًا، وكان يصلي، فقالت زوجته لأبيها المنذر بن عائذ وهو الأشج: إنِّي أنكرت فعل بعلي منذ قدم مِن يثرب؛ إنه ليغسل أطرافه، ثم يستقبل الجهة، يعني: الكعبة، فيحني ظهره مرة ويقع أخرى، فاجتمعا فتحادثا في [2] ذلك، فوقع الإسلام في قلبه، وقرأ عليهم الكتاب، وأسلموا وأجمعوا المسير إلى رسول الله عليه السلام، فلما قدموا؛ (قال) عليه السلام (مَن القوم؟ أو) قال (مَن الوفد؟) شك شعبة أو أبو جمرة، (قالوا) نحن (ربيعة) ؛ أي: ابن نزار بن معَدِّ بن عدنان، وإنما قالوا: ربيعة؛ لأنَّ عبد القيس من أولاده، وعبر عن البعض بالكل؛ لأنَّهم بعض ربيعة، ويدل له ما في المؤلف في (الصلاة) ، فقالوا: إنا هذا الحي من ربيعة.
(قال) عليه السلام: (مرحبًا بالقوم أو) قال (بالوفد) ، وأول من قال: مرحبًا: سيف بن ذي يزن، وانتصابه على المصدرية بفعل مضمر؛ أي: صادفوا رُحبًا؛ بالضم؛ أي: سعة، حال كونهم (غير خزايا) جمع خزيان على القياس؛ أي: غير أذلاء أو غير مستحيين لقدومكم مبادرين دون حرب يوجب استحياءكم، و (غير) بالنصب حال، ويروى: بالخفض صفة لـ (القوم) .
(ولا ندامى) جمع نادم على غير قياس، وإنما جُمع كذلك؛ اتباعًا لـ (خزايا) للمشاكلة والتحسين، وذكر القزاز: أن (ندمان) لغة في (نادم) ، فجمعه المذكور على هذا قياس، (فقالوا) ، وللأصيلي: (قالوا) : (يا رسول الله؛ إنا لا نستطيع أن نأتيك) ؛ أي: الإتيان إليك، (إلا في الشهر الحرام) سُمي الشهر شهرًا؛ لشهرته وظهوره، وحرامًا؛ لحرمة القتال فيه عندهم، والمراد الجنس، فيشمل الأربعة الحُرُم، والمراد شهر رجب، كما صُرِّح به في رواية البيهقي.
وفي رواية: (إلا في شهر الحرام) ، وهو من إضافة الموصوف إلى الصفة كمسجد الجامع، والبصريون يمنعونها ويؤولون ذلك على حذف مضاف؛ أي: ومسجد الوقت الجامع، وشهر الوقت الحرام.
وقول ابن حجر: هذا من إضافة الشيء إلى نفسه، رده الشيخ الإمام بدر الدين العيني بأن إضافة الشيء إلى نفسه لا تجوز؛ كما عُرِف في موضعه؛ فليحفظ، وفي رواية: (إلا في أشهر الحُرُم) ، تقديره: في أشهر الأوقات الحُرُم، و (الحُرُم) ؛ بضمتين جمع حرام، وفي رواية: (إلا في كل شهر حرام) .
(و) الحال (بيننا وبينك هذا الحي من كفار مُضَرَ) ؛ بضم الميم وفتح المعجمة، مخفوض بالمضاف بالفتحة؛ للعلمية والتأنيث، وهذا مع قولهم: (يا رسول الله) ، يدل على تقدم إسلامهم على قبائل مضر الذين كانوا بينهم وبين المدينة، وكانت مساكنهم بالبحرين وما والاها من أطراف العراق.
(فمرنا بأمرٍ فصْلٍ) ؛ بالصاد المهملة وبالتنوين في الكلمتين على الوصفية، لا بالإضافة؛ أي: يفصل بين الحق والباطل، أو بمعنى: المفصَّل المبين، وأصل (مرنا) : أأمرنا؛ بهمزتين؛ من أمر يأمر،
[ص 34]
فحذفت الهمزة الأصلية؛ للاستثقال، فصار (أمرنا) ، فاستغني عن همزة الوصل فحذفت، فبقي (مُر) على وزن (عُل) ؛ لأنَّ المحذوف فاء الفعل.
(نخبر به مَن) ؛ أي: الذي استقرَّ، (وراءَنا) ؛ أي: خلفنا مِن قومنا الذين خلَفناهم في بلادنا، و (نخبر) بالجزم جوابًا للأمر، وبالرفع لخلوِّه من ناصبٍ وجازم، والجملة في محلِّ جرِّ صفة لـ (أمر) ، (وندخل به الجنة) إذا قُبِل بفضله تعالى، ويجوز الجزم والرفع في (ندخل) كـ (نخبر) ؛ عطفًا عليها، لكن يتعيَّن الرفع في هذه على رواية إسقاط الواو، وتكون الجملة مستأنفة لا محلَّ لها من الإعراب.
(وسألوه) عليه السلام (عن الأشربة) ؛ أي: عن ظروفها، أو سألوه عن الأشربة التي تكون في الأواني المختلفة، فعلى الأول: المحذوف المضاف، وعلى الثاني: الصفة.
(فأمرهم) عليه السلام (بأربع) ؛ أي: بأربع جمل أو خصال، (ونهاهم عن أربع: أمرهم بالإيمان بالله وحده) تفسيرٌ لقوله: (فأمرهم بأربع) ، ومن ثَم حذف العاطف، (قال: أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال) عليه السلام: هو (شهادة أن لا إله إلَّا الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله) ؛ برفع شهادة خبر مبتدأ محذوف، ويجوز الجرُّ على البدلية، (وإقام الصلاة) ؛ أي: أدائها بأوقاتها على الوجه المعلوم.
(وإيتاء الزكاة) ؛ أي: إعطاؤها في مصارفها، (وصيام رمضان) فيه دليلٌ على عدم كراهة قول رمضان من غير تقييد بالشهر، (و) الخامس (أن تعطوا من المغنم الخُمُس) ؛ بضم الخاء المعجمة والميم، وإنما أمرهم بأربع وذكر لهم خمسًا؛ لأنَّهم كانوا مجاورين كفَّارَ مُضر وكانوا أهلَ جهاد وغنائم، فزاد الخامس لذلك، ولم يذكر لهم الحجَّ؛ لكونه على التراخي لا يمنع من الأمر به، وفيه خلاف، فعند الإمام أبي يوسف؛ وهو رواية عن إمامنا الإمام الأعظم: وجوبه على الفور، وعليه الفتوى، وهو مذهب مالك، وعند الإمام محمَّد الشيباني؛ وهو رواية أيضًا عن الإمام الأعظم: أنَّه على التراخي، وهو مذهب الشافعي وأحمد بن حنبل؛ لأنَّ فرض الحج كان بعد الهجرة، وأنَّه عليه السلام كان قادرًا على الحج في سنة ثمان وفي سنة تسع ولم يحجَّ إلَّا في سنة عشر.
وأجيبَ: بأنَّه عليه السلام كان عالمًا بإدراكه فلذلك أخَّره، بخلاف غيره مع ورود الوعيد في تأخيره بعد الوجوب، أو لشهرته عندهم، أو لكونه لم يكن فُرِض؛ لأنَّ قدومهم كان في سنة ثمان قبل فتح مكَّة، وهو فُرِض في سنة تسع على قول، والأصحُّ: أنَّه فُرِض سنة ست كما سيأتي، أو لكونه لم يكن سبيل لهم إليه من أجل كفَّار مُضر.
ثم عطف المؤلف على قوله: (وأمرهم) قوله: (ونهاهم عن أربع: عن الحَنْتَم) ؛ أي: عن الانتباذ فيه؛ وهو بفتح المهملة، وسكون النون، وفتح المثناة الفوقية، وهي الجرَّة أو الجِرار الخُضر أو الحمر، أعناقها على جنوبها، أو متخذَة من طين، وشعر، ودم، أو (الحنتم) : ما طُلي من الفخار بالحنتم المعمول بالزجاج وغيره، وسقطت (عن) الثانية لكريمة.
(و) عن الانتباذ في (الدُّباء) ؛ بضمِّ المهملة، وتشديد الموحدة، والمدِّ؛ اليقطينُ الكبير الأبيض، (و) عن الانتباذ في (المزفَّت) ؛ بالزاي والفاء: ما طلي بالزِّفت، (وربما قال: المقيَّر) ؛ بالقاف والمثناة التحتية المشددة المفتوحة؛ وهو ما طلي بالقار، ويقال له: القير؛ وهو نبت يحرق إذا يبس، تطلى به السفن وغيرها كما تطلى بالزفت.
(وقال: احفظوهن وأخبروا بهن) ؛ بفتح الهمزة، (مَن وراءَكم) ؛ أي: الذين كانوا أو استقروا، فـ (مَن) موصولة مبتدأ، و (وراءكم) خبره، ومعنى النهي عن الانتباذ في هذه الأوعية بخصوصها؛ لأنَّه يُسرع إليها الإسكار، فربَّما شرب منها مَن لم يشعر بذلك، ثم ثبتت الرخصة في الانتباذ في كلِّ وعاء، مع النهي عن شرب كلِّ مُسكر، ففي «مسلم» : «كنتُ نهيتُكم عن الانتباذ إلَّا في الأسقية فانتبذوا في كلِّ وعاء، ولا تشربوا مُسكرًا» ، وهو مذهب إمامنا الإمام الأعظم والجمهور، وهو قول الشافعي، وذهب مالك، وأحمد، وإسحاق إلى أن النهي باقٍ، والصواب الجزم بالإباحة؛ لتصريح النسخ؛ كما علمت، والله أعلم.
وفي الحديث استعانة العالم في تفهيم الحاضرين والفهم عنهم، وفيه استحباب قول: مرحبًا للزائرين، وندب العالم إلى إكرام الفاضل، وفي قوله: (أجعل لك سهمًا من مالي) دليل على جواز أخذ الأجرة على التعليم؛ كما قاله ابن التين، قلت: مذهب إمامنا رأس المجتهدين الإمام الأعظم التابعي الجليل ومَن قال بقوله: أنَّ الاستئجار على الطاعات لا يصح، واستثنى المتأخرون تعليم القرآن، فجوَّزوا الاستئجار عليه؛ لخوف الضياع، والأذان والإمامة؛ للعلة المذكورة؛ لأنَّهما من شعائر الدين، فهذه الثلاثة مستثناة للضرورة.
قال في «الهداية» : الأصل أنَّ كل طاعة يختصُّ بها المسلم لا يجوز الاستئجار عليها عندنا؛ لقوله عليه السلام: «اقرؤوا القرآن ولا تأكلوا به ... » الحديث، فالاستئجار على الطاعات مطلقًا لا يصح عند أئمتنا الأعلام، اهـ.
فالمُفتَى به: جواز أخذ الأجرة؛ استحسانًا، على تعليم القرآن، لا على القراءة المجرَّدة كما صرح به أئمَّة المذهب، وهو قول أحمد، وعطاء، والضحَّاك، والزهري، والحسن، وابن سيرين، وطاووس، والشعبي، والنخلي، فقارئ القرآن بالأجرة لا يستحق الثواب لا للميت ولا للقارئ؛ لأنَّ الاستئجار على قراءة القرآن باطلة، ولم يفعلها أحد من الخلفاء، وكذا الوصية بذلك باطلة.
وهذا كله مع قطع النظر عما يحصل في زماننا من المنكرات التي يتوصَّلون إليها بحيلة قراءة القرآن والتهاليل؛ من الغناء، والرقص، واللهو، واللعب في بيوت الأيتام، ودق الطبول، وإقلاق الجيران، والاجتماع بحسان المردان، فكل من له معشوق لا يتيسر له الاجتماع به إلَّا في ذلك المكان فيجلس كلٌّ منهم بجنب معشوقه بعد إلقاء العمائم وثقيل الثياب، ويظهرون أنواع الخلاعات والرقص بما يسمونه الحربية، ويهيج بهم الهيام بسماع الغناء بأصوات حسان، وتخلع الولدان، فعند ذلك تذهل العقول ولا يدري شيخهم ما يقول، وتجتمع النسوان من كل مكان، ثم يأكلون الطعام الحرام في بيوت الأيتام، ثم يهبون ما تحصّل منهم في تلك الأوقات الخاسرات إلى روح مَن كان سببًا في اجتماعهم على هذه المنكرات، نعوذ من الجهل العظيم بالله الكريم، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله العلي العظيم الحليم.
[1] في الأصل: (أنتبذ) .
[2] في الأصل من دون (في) والسياق يقتضيها.
[1] في الأصل: (أنتبذ) .
[1] في الأصل: (أنتبذ) .