(باب) مضاف إلى ما بعده، ولا يجوز غيره، وارتفاعه؛ على أنه خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هذا باب (من قال: إنَّ الإيمان هو العمل) ردًّا على المرجئة القائلين: بأن الإيمان قول بلا عمل (لقوله تعالى) وفي رواية: (عز وجل) : ( {وَتِلْكَ} ) مبتدأ، خبره قوله: ( {الجَنَّةُ الَتِي أُورِثْتُمُوهَا} ) ؛ أي: صُيِّرت لكم ميراثًا، فأطلق الإرث مجازًا عن الإعطاء؛ لتحقق الاستحقاق، أو المورِّث الكافر وكان له نصيب منه؛ ولكن كفره منعه فانتقل منه إلى المؤمن، ( {بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} ) [الزخرف: 72] ؛ أي: تؤمنون، و (ما) مصدرية؛ أي: بعملكم، أو موصولة؛ أي: بالذي كنتم تعملونه، و (الباء) للملابسة؛ أي: أورثتموها ملابسة لأعمالكم؛ أي: لثوابها، أو للمقابلة؛ نحو: أُعطيت الشاة بالدرهم، ولا تنافي بين ما في الآية وبين حديث: «لن يدخل أحد الجنة بعمله» ؛ لأنَّ المثبَت في الآية: الدخول بالعمل المقبول، والمنفي في الحديث دخولها بالعمل المجرد عنه، والقبول من رحمة الله، فرجع الأمر إلى أن الدخول برحمته تعالى.
(وقال عِدَّة) ؛ بكسر العين وتشديد الدال؛ أي: عدد (من أهل العلم) كأنس بن مالك، وعبد الله بن عمر، ومجاهد، (في قوله تعالى) وفي رواية: (عز وجل) : ( {فَوَرَبِّكَ} ) يا محمد ( {لَنَسْأَلَنَّهُمْ} ) ؛ أي: المقتسمين، وجواب القسم مؤكدًا باللام ( {أَجْمَعِينَ} ) [الحجر: 92] تأكيد للضمير في {لَنَسْأَلنَّهُمْ} مع الشمول في إفراد المخصوصين ( {عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الحجر: 93] ؛ عن لا إله إلا الله) وفي رواية: (عن قول: لا إله إلا الله) .
قال النووي: المعنى: لنسألنَّهم عن أعمالهم كلها التي يتعلق بها التكليف، فقول من خص بلفظ التوحيد دعوى تخصيص بلا دليل فلا تقبل، اهـ.
قلت: وردَّ عليه ابن حجر في «فتحه» ، واعترضه الشيخ الإمام بدر الدين العيني، وحاصله: أن دعوى التخصيص بلا دليل خارجي لا تُقبل؛ لأنَّ الكلام عام في السؤال عن التوحيد وغيره، فإن استدل بحديث الترمذي؛ فقد ضعف من جهة ليث، وليس التعميم في قوله: (أجمعين) حتى يدخل فيه المسلم
[ص 18]
والكافر؛ لكونه مخاطبًا بالتوحيد قطعًا، وبباقي الأعمال على الخلاف.
فالمانع من الثاني يقول: إنَّما يُسألون عن التوحيد فقط للاتفاق عليه، وإنَّما التعميم هنا في قوله: {عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ، فتخصيص ذلك بالتوحيد تحكُّمٌ، ولا تنافي بين هذه الآية وبين قوله تعالى: {فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنْبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ} [الرحمن: 39] ؛ لأنَّ في القيامة مواقف مختلفة وأزمنة متطاولة، ففي موقف أو زمان يُسألون، وفي آخرَ لا يُسألون، أو لا يُسألون سؤال استخبار، بل سؤال توبيخ وتقريع، اهـ؛ فليحفظ.
(وقال) وفي رواية بدونها ( {لمثل هذا} ) ؛ أي: لنيل مثل هذا الفوز ( {فليعمل العاملون} ) [الصافات: 61] ؛ أي: فليؤمن المؤمنون، وهذا يشير إلى أنَّ الإيمان هو العمل، لكن اللفظ عام، ودعوى التخصيص بلا دليل لا تُقبل، إلَّا أنَّ إطلاق العمل على الإيمان صحيح؛ من حيث إنَّ الإيمان هو عمل القلب، ولا يلزم أن يكون العمل من نفس الإيمان، وغرض المصنف جواز إطلاق العمل على الإيمان الذي هو عمل القلب؛ وهو التصديق؛ فليحفظ.