فهرس الكتاب

الصفحة 91 من 860

(بابُ زيادةِ الإيمان ونقصانه) بإضافة (باب) لتاليه قطعًا، (وقولِ الله تعالى) بالجرِّ عطفًا على ما قبله، وفي رواية: (عز وجل) : ( {وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} [الكهف: 13] ) هو الدلالة الموصلة إلى البغية، أو الدلالة مطلقًا؛ لقوله: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي} [الشورى: 52] ؛ أي: لتدل، والمعنى: زدناهم دلالة على ما أنزلناه من امتثال الأوامر واجتناب النواهي، وقوله: ( {وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانا} [المدثر: 31] ) قال البيضاوي: بالإيمان به، انتهى، فيكون المراد بالازدياد: الازدياد بحسب الكمية لازدياد متعلَّقه، فإنَّ الإيمان قد كان يزداد به يومًا فيومًا في زمان الوحي بحسب ازدياد ما يجب الإيمان به؛ فإنَّ مَن آمن بجميع ما جاء من عند الله قبل نزول ما يدل على عدد الزبانية إذا نزل عليهم قوله تعالى: {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} [المدثر: 30] فآمنوا به أيضًا؛ فلا شك أنه يزداد إيمانهم بحسب الكمية لازدياد متعلقه؛ كذا قرره شيخ زاده.

(وقال) بلفظ الماضي، ولم يقل: (وقوله) موافقة لأخويه؛ لبيان غرضه: ( {اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3] ) ؛ أي: أكملت لكم شرائع دينكم؛ لأنَّها نزلت يوم كملت الفرائض، والسنن، واستقرار الدين، ولم يقل أحد: إن الدين كان ناقصًا إلى وقت نزول هذه الآية حتى أكمله في هذا اليوم، وإنما المراد: إكمال شرائع الدين في هذا اليوم؛ لأنَّ الشرائع نزلت شيئًا فشيئًا طول مدة النبوة، فلما كملت الشرائع؛ قبض الله نبيه عليه السلام، وليس المراد: التوحيد؛ لوجوده قبل نزول الآية، فإنِ ادَّعى أحدٌ أن الأعمال من الإيمان؛ فليس يتصور؛ لأنَّه يلزم أن يكون كمال الإيمان في هذا اليوم، وقبله كان ناقصًا؛ لأنَّ الشرائع التي هي الأعمال ما كملت إلا في هذا اليوم؛ كذا في «عمدة القاري» .

وقال الفاضل الزمخشري: أكملت لكم ما تحتاجون إليه في تكليفكم من تعليم الحلال والحرام، والتوقيف على الشرائع، وقوانين القياس، وأصول الاجتهاد، انتهى، ومثله ذكر البيضاوي.

فإن قلت: إذا كان تفسير الآية ما ذكر، فما وجه استدلال المؤلف بها على زيادة الإيمان ونقصانه؟ أجيب: بأن الكمال مستلزم للنقص وهو يستدعي قبوله الزيادة.

ومن ثَم قال: (فإذا ترك) وفي رواية: (فإذا تركت) (شيئًا من الكمال؛ فهو نقص) ، فيلزم من هذا أن يكون إيمان من مات من الصحابة قبل نزول الفرائض أو بعضها ناقصًا، ولا قائل به؛ لأنَّ الإيمان لم يزل تامًّا، وأجاب القسطلاني: بأنَّ النقص بالنسبة إلى الذين ماتوا قبل نزول الفرائض من الصحابة صوريٌّ نسبيٌّ، ولهم فيه رتبة الكمال من حيث المعنى، فالأكمليَّة أمر نسبيٌّ، انتهى.

قلت: لا نسلِّم أنَّ إيمانهم ناقص؛ لأنَّ من مات قبل نزول الفرائض على صحبته؛ فهو كامل الإيمان؛ لأنَّ الواجب عليه الإيمان بالله وبرسوله وما جاء به إجمالًا، وقد حصل منه ذلك، فلا يكون إيمانه ناقصًا؛ بل هو تامٌّ، كمن مات بعد نزول الفرائض على صحبته، وقوله: (صوريٌّ نسبيٌّ) ؛ أي: بحسب الصورة والنسبة، ولا شكَّ أنَّ من نسب إلى النقص؛ فهو ناقص لا محالة، فإن قيل: مَن نسب إلى النقص لا يلزم أن يكون ناقصًا؛ قلنا: بل هو ناقص؛ إمَّا على النقص التام، أو نقص في بعض الجهات، فرجع الأمر إلى نقص إيمانهم، ولا قائل به، فتحصَّل من هذا: أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وأن مَن مات قبل نزول الفرائض من الصحابة؛ فهو كامل الإيمان، والله تعالى أعلم.

[ص 26]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت