هذا (باب) حكم (الصلاة في مرابض الغنم) جمع مَربِض؛ بفتح الميم وكسر الموحدة؛ لأنَّه من ربض يربِض؛ مثل ضرب يضرِب، يقال: ربض في الأرض: إذا ألصق بها وأقام ملازمًا لها، واسم المكان: مربض؛ وهو مأوى الغنم، وربوض الغنم مثل بروك الإبل، وفي «الصحاح» : (ربوض الغنم، والبقر، والفرس، والكلب مثل بروك الإبل، وجثوم الطير) .
والغنم: اسم جنس جمعي؛ كالإبل، يقع على الذكر والأنثى، وإذا صغرتها؛ قلت: غنيمة؛ لأنَّ أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها إذا كانت لغير الآدميين؛ فالتأنيث لازم لها، انتهى، كذا قاله إمام الشَّارحين.
وزعم العجلوني أنَّ في بعض الأصول: (في مواضع) بدل (مرابض) .
قلت: والمشهور: الأول، والله أعلم بصحة ذلك؛ لأنَّه لم يَعْزُه لأحد من الرواة، فيحتمل أنَّه تحريف من النساخ، وقد انتهت الجهالة إلى ابن حجر، فزعم أنَّ (مِربض) ؛ بكسر الميم، قال إمام الشَّارحين: (وهو غلط منه) انتهى.
وانتصر العجلوني لابن حجر تعصبًا، فزعم أنَّه يتكلف له بجعله اسم آلة تجوزًا؛ كالمنبر، فلا غلط، انتهى.
قلت: وهذا فاسد؛ لأنَّ مرابض الغنم: مأواها ومواضعها، وليس آلة للصلاة فيها، كما زعمه، فإنَّ اسم الآلة ما يعمل باليد؛ كالملقط والقدوم، وهذا ليس كذلك، ولا حاجة إلى هذا التكليف الغير الموافق للأصول الصرفية، وقوله: (تجوُّزًا) ممنوع، فإنَّه إذا أمكن العمل بالحقيقة؛ لا يجوز العمل بالمجاز عند المحققين، وقوله: (كالمنبر) ممنوع أيضًا، فإنَّه آلة لرُقيِّ الخطيب عليه، وليس هو مثل المربض، وبينهما فرق بيِّن [1] ، وعلى كل حال؛ فما قالاه غلط وفاسد، والعناد بعد ذلك مكابرة؛ فافهم.
قال إمام الشَّارحين: (وجه المناسبة بين البابين من حيث إنَّ المذكور في هذا الباب بعينه طرفٌ من الحديث المذكور في الباب السابق، لكنَّ المذكور هناك أنَّه عليه السَّلام كان يحب الصلاة حيث أدركته إذا دخل وقتها، سواء كان في مرابض الغنم أو غيرها، والمذكور ههنا أنَّه كان يصلي في مرابض الغنم قبل أن يبني المسجد) انتهى.
[1] في الأصل: (فرقًا بينًا) ، وليس بصحيح.
[ص 584]