فهرس الكتاب

الصفحة 584 من 860

هذا (بابٌ) ؛ بالتنوين خبر مبتدأ محذوف؛ تقديره: ما ذكرنا، وقوله: (التَّيمم) مُبتدأ؛ أي: في بيان أنَّ التَّيمم ضربةٌ واحدة (للوجه) ، وقوله: (والكفين) عطف على (الوجه) أي: وخبرُ المُبتدأ محذوف؛ أي: التَّيمم ضربة واحدة للوجه والكفين، ويقدر بعد ذلك لفظة (جوازًا) ؛ يعني: من حيث الجواز؛ وتقديره (وجوبًا) ؛ يعني: من حيث الوجوب، والمقصود منه: إثبات أنَّ التَّيمم ضربةٌ واحدةٌ، سواء كان وجوبًا أو جوازًا، ومعنى أحاديث هذا الباب: هو معنى الحديث الذي في الباب السابق، غير أنَّه رُوِي هناك عن آدم، عن شُعبة مرفوعًا، وههنا أخرجه عن سِتة مشايخ؛ كلهم عن شُعبة؛ ثلاثةٌ منها موقوفةٌ، وثلاثةٌ مرفوعةٌ، كما ستقف عليها، كذا قاله إمام الشَّارحين، واعترضَ عليه القسطلاني بأنَّ تقيده بـ (ضربة واحدة) قد عقد له المؤلف بابًا مستقلًّا.

قلتُ: وهذا الاعتراض غير ظاهر، ولا يصدر إلا من مُكابرٍ، فإنَّ أحاديث هذا الباب السِّتة كلُّها صريحةٌ في أنَّ الضربة واحدة؛ لأنَّه لم يذكر غيرها، فهي صريحة بالوحدة على أنَّه هي محلُّ الخِلاف بينها وبين الضربتين، ولو كانت ليست واحدة؛ لبيَّنَ في الأحاديث أنَّها أكثر، واقتصاره فيها على الضرب يقتضي الوحدة، والتَّرجمة لم تُصرح بالضرب أيضًا، ولا أنَّه واحد، فأحال ذلك على الأحاديث التي سيذكرها، كما لا يخفى، وزعم ابن حجر باب (التَّيمم للوجه والكفين) أي: هو الواجب المجزئ، وأتى بذلك بصيغة الجزم مع شُهرة الخِلاف فيه؛ لقوة دليله، فإنَّ الأحاديث الواردة في صفة التَّيمم لم يَصح منها سوى حديث أبي جُهَيْم وعمَّار، وما عداهما؛ فضعيف أو مُختَلفٌ في «الصَّحيحين» ، ويذكر المرفِقين في رفعه، ووقفه، والرَّاجح عدم رفعه، أما حديث أبي جُهَيْم؛ فورد بذكر اليدين مجملًا، وأما حديث عمَّار؛ فورد بذكر الكعبين في السُّنن، انتهى.

ورَدَّه إمام الشَّارحين فقال: قلتُ: تقييده بالوجوب لا يُفهم منه أصلًا؛ لأنَّه أعم من ذلك؛ يعني: يشمل الجائز، فإنَّ التَّيمم يكون فرض عينٍ للمحدث، وأراد صلاة الفرض، ويكون فرضًا على الكفاية للمحدث لصلاة الجنازة، ويكون واجبًا للطواف، ويكون مندوبًا للنوم على طهارة، ولمسِّ الكُتب الشَّرعية؛ كالحديث، والفقه، وغير ذلك، فالمُراد: الأعم، وهو مُراد المؤلف؛ حيث أطلق كلامه، فتقييد هذا القائل بالواجب غير صحيح، كما لا يخفى.

وقوله: (لم يَصح منها سوى حديث أبي جُهَيْم وعمَّار) غير مُسلَّم؛ لأنَّا قد ذكرنا أنَّه رَوى فيه عن جابر مرفوعًا: «أنَّ التيمم ضربة للوجه وضربة للذراعين إلى المرفقين» ، وأن الحاكم قال: (إسناده صحيح) ، وأن الذهبي قال: (إسناده صحيح) ، ولا يُلتفت إلى قول من يمنع صِحته، لا يُقال: (رواه جماعة موقوفًا) ؛ لأنَّا نقول: قوله أقوى وأثبت؛ لأنَّه استندَ من وجهين.

قلت: وكذا روى البيهقي بإسنادٍ صحيحٍ مرفوعًا: «التَّيمم ضربةٌ للوجه، وضربةٌ لليدين إلى المرفقين» ، وكذا رواه أبو داود بسندٍ صحيحٍ، فكيف يقول هذا القائل: (لم يَصح منها ... ) إلخ؛ ما هذا إلا مُكابرة؟

وقوله: (أمَّا حديث أبي جُهَيْم) ؛ فورد بذكر اليدين مُجملًا غير صحيح، ولا يُطلق فيه حدُّ الإجمال، بل هو مطلق يتناول إلى الكفين، وإلى المرفقين، وإلى ما وراء ذلك، ولكن رواية الدَّارقطني في هذا الحديث خصصته وفسرته بقوله: (فمسح بوجهه وذراعيه) .

فإن قلت: هذا القائل لم يُرِد الإجمال الاصطلاحي، بل أراد: الإجمال اللُّغوي.

قلتُ: إن كان كذلك، فحديث الدَّارقطني أوضحه وكشفه، انتهى.

قلتُ: وقوله: (وأمَّا حديث عمَّار ... ) إلخ غير صحيح؛ لأنَّ رواية ذكر الكعبين في السنن ضعيفةٌ جدًّا؛ لأنَّ في سنده مجهولين [1] ، بل الرواية الصحيحة عن عمَّار، كما رواها أبو داود مرفوعًا إليه عليه السلام: «أنَّه ضرب بيديه الأرض، ثُمَّ نفخهما، ثم مسح بهما وجهه ويديه» ، وكذا أخرجه بقية الستة، وقوله: (والرَّاجح عدم رفعه) : غير صحيح، بل الرَّاجح أنَّه: مرفوع، وهو ما عليه الجمهور؛ فليحفظ.

[1] في الأصل: (مجهولان) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[ص 402]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت